وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ للهِ مائةَ رحمةٍ قَسَمَ منها رحمةً بينَ جميعِ الخلائقِ، فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها تَعطِفُ الوحشُ على أولادِها، وأخَّرَ تسعةً وتسعينَ رحمةً يَرحمُ بها عبادَه يومَ القيامةِ". [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني]
وقال تعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام: 147]
[أي: فإن كذبك هؤلاء المشركون، فاستمر على دعوتهم، بالترغيب والترهيب، وأخبرهم بأن الله (ذو رحمةٍ واسعةٍ) أي: عامة شاملة لجميع المخلوقات كلها، فسارعوا إلى رحمته بأسبابها؛ التي رأسها وأُسُّها ومادتها، تصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به.
(ولا يُرَدُّ بأسُهُ عنِ القومِ المجرمينَ) أي: الذين كثر إجرامهم وذنوبهم؛ فاحذروا الجرائم الموصلة لبأس الله؛ التي أعظمها ورأسها تكذيب محمد.] [تيسير الكريم الرحمن]
وقال تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيم) [الحجر: 49 - 50]
[ (نَبِّئْ عبادي) أي: أخبرهم خبرًا جازمًا مؤيَّدًا بالأدلة (أني أنا الغفورُ الرحيمُ) فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته، ومغفرته سَعَوا في الأسباب الموصلة لهم إلى رحمته وأقلعوا عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته.
ومع هذا فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإدلال، فنبئهم (وأنَّ عذابي هو العذابُ الأليمُ) أي: لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه؛ نعوذ به من عذابه، فإنهم إذا عرفوا أنه (لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ. وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَد) [الفجر: 25 - 26] حذروا وأبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب، فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائما بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها.
ويقدم الله نبأ الغفران والرحمة على نبأ العذاب؛ جريًا على الأصل الذي ارتضت مشيئته؛ فقد كتب على نفسه الرحمة. وإنما يذكر العذاب وحده أحيانًا أو يقدم في النص لحكمة خاصة في السياق تقتضي إفراده بالذكر أو تقديمه.
واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فههنا وصفهم بكونهم عبادًا له، ثم أثبت عقيب ذكر هذا الوصف الحكم بكونه غفورًا رحيمًا، فهذا يدل على أن كل مَن اعترف بالعبودية ظهر في حقه كونه سبحانه غفورًا رحيمًا، ومَن أنكر ذلك كان مستوجبًا للعقاب الأليم.
وفي الآية لطائف؛ أحدها: أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: (عبادي) ، وهذا تشريف عظيم. ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج لم يزد على قوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه) [الإسراء: 1] . وثانيها: أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة: أولها قوله: (أنى) . وثانيها قوله: (أنا) . وثالثها: إدخال حرف الألف واللام على قوله: (الغفور الرحيم) ، ولما ذكر العذاب لم يقل: أني أنا المعذب، وما وصف نفسه بذلك، بل قال: (وأنَّ عذابي هو العذابُ الأليمُ) . وثالثها: أنه أمر رسوله أن يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. ورابعها: أنه لما قال: (نبئ عبادي) كان معناه: نبئ كل مَن كان معترفًا بعبوديتي. وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع، فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصي، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى.] [تيسير الكريم الرحمن - في ظلال القرآن - مفاتيح الغيب]
تعرفنا من خلال النصوص السابقة على مدلول الرحمة، ويزيد الأمر إيضاحًا قول الحق جل وعلا: (أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الأنعام:54] .
فقد أنزل الحق منهجًا من السماء يضم نصوصا للتجريم، كنصوص عقاب الزاني أو اللص، وغير ذلك، ولا يمكن أن تأتي عقوبة إلا إذا جاءت بعد تجريم، مثال ذلك الرشوة والنميمة وكل مخالفة للمنهج، فلا عقاب إلا بجريمة، ولا جريمة إلا بنص. والحق الذي خلق الخلق يعلم أن بعضا من خلقه يكون من ضعاف النفوس، وقد تغلب إنسانا نفسُه فيرتكب ذنبا أو معصية، والمثال على ذلك قول الحق: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [المائدة:38] . هذا هو عقاب السارق والسارقة.