وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلا، فيقف على القبور ويقول: يا أهل القبور! قد طُوِيَت الصحف، وقد رُفِعَت الأعمال .. ثم يبكي، ويَصُفُّ بين قدميه حتى يُصبح، فيرجع ويشهد صلاة الصبح.
سبق والله القوم بكثرة الصلاة والصوم .. يبادرون بالعمل الأجل .. ويجتهدون في سد الخلل .. ويعتذرون مِن ماضي الزلل ..
فيا مَن يرجو مقام الصالحين وهو مع الغافلين قاعد، ويأمل منازل المقربين وهو عنهم متباعد .. زاحِم أهل العزم وبادِر .. الجد .. الجد؛ فبه تغنم .. البدار .. البدار قبل أنْ تندم .. هذا هو الدواء النافع ..
شَمِّرْ عسى أنْ ينفعَ التشميرُ ... وانظُرْ بفكرِكَ ما إليهِ تصيرُ
طَوَّلْتَ آمالًا تَكَنَّفَها الهوى ... ونَسِيتَ أنَّ العُمرَ منكَ قصيرُ
لا يَشغَلَنَّكَ عاجِلٌ عن آجِلٍ ... أبدًا فمُلتَمِسُ الحقيرِ حقيرُ
فُتِّحت أبواب الرحمة
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا كان رمضانُ فُتِّحَت أبوابُ الرحمةِ، وغُلِّقَت أبوابُ جهنمَ، وسُلسِلَتِ الشياطينُ". [رواه مسلم]
فإذا أردنا أن نصيب من رحمة الله تعالى في رمضان، ونتعرض لها؛ فلنعرف أولا مدلول الرحمة، ثم نتعرف على صفات عباد الله؛ أهل المرحمة، ونجتهد وسعنا لنتأسى بهم، ونصيب طرفًا من خِلالهم ..
ربكم ذو رحمة واسعة:
قال تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام: 54]
وقال تعالى: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام: 12] إن [العالم العلوي والسفلي تحت ملكه وتدبيره، وهو تعالى قد بسط عليهم رحمته وإحسانه، وتغمدهم برحمته وامتنانه، وكتب على نفسه كتابًا أن رحمته تغلب غضبه، وأن العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة، إن لم يغلقوا عليهم أبوابها بذنوبهم، ودعاهم إليها، إن لم تمنعهم من طلبها معاصيهم وعيوبهم.] [تيسير الكريم الرحمن]
وقد تفضّل سبحانه بالرحمة،[فمنها رحمة كاملة؛ وهذه رحمته بعباده الصالحين، ومنها رحمة موقّتة؛ وهي رحمة الإمهال والإملاء للعصاة والضالين.
ومعنى (كتب) أي: جعَل ذلك على نفسه لأنَّ أحدًا لا يُلزم نفسه بشيء إلا اختيارًا، وإلا فإنَّ غيره يُلزمه. والمقصود أنَّ ذلك لا يتخلَّف كالأمر الواجب المكتوب، فإنهم كانوا إذا أرادوا تأكيد وعد أو عهد كتبوه.
و (الرحمة) هنا مصدر، أي: كتب على نفسه (أن يرحم) ، وليس المراد الصفة، بمعنى: كتب على نفسه الاتّصاف بالرحمة، أي بكونه رحيمًا.] [التحرير والتنوير]
وجملة [ (كتب على نفسه الرحمة) جملة مستقلة صادحة بشمول رحمته عز وجل لجميع الخلق، مسوقة لبيان أنه تعالى رءوف بالعباد لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم التوبة .. وما سبق وما لحق من أحكام الغضب ليس إلا من سوء اختيار العباد لسوء استعدادهم الأزلي لا من مقتضيات ذاته جل وعلا: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [النحل: 33] .
ومعنى كتب الرحمة على نفسه جل شأنه إيجابها بطريق التفضل والإحسان على ذاته المقدسة بالذات لا بتوسط شيء. وقيل: هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لَمَّا خلقَ اللهُ الخَلقَ كتبَ في كتابِه، فهو عِندَهُ فَوقَ العرشِ: إنَّ رحمتي تَغْلِبُ غَضَبي". وفي رواية للبخاري:"إنَّ اللهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كتبَ ِعندَه فوقَ عرشِهِ: إنَّ رحمتي سَبَقَتْ غضبي".
ومعنى سبق الرحمة وغلبتها فيها أنها أقدم تعلقًا بالخلق وأكثر وصولًا إليهم مع أنها من مقتضيات الذات المفيضة للخير.
وفي شرح مسلم للإمام النووي:"قال العلماء: غضب الله تعالى ورضاه يرجعان إلى معنى الإرادة، فإرادته الثواب للمطيع والمنفعة للعبد تُسمَّى رضا ورحمة، وإرادته عقاب العاصي وخذلانه تُسمَّى غضبًا، وإرادته سبحانه وتعالى صفة له قديمة يريد بها (جميع المرادات) ، قالوا: والمراد بالسبق والغلبة هنا كثرة الرحمة وشمولها، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة؛ إذا كثرا منه"أ. هـ] [روح المعاني (بتصرف) ]
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسَبْيٍ فإذا امرأة مِن السَّبْي تبتغي إذا وَجدتْ صبيًّا في السَّبْي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته. فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أتَرَوْنَ هذه المرأةَ طارحةً ولدَها في النارِ؟"قلنا: لا والله، وهي تَقدِرُ على أنْ لا تَطرحَه .. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لَلَّهُ أرحَمُ بعبادِه مِن هذه بولدِها". [متفق عليه]