فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 254

رأيت بالحبشة كتابًا يدعونه المصحف، فسمَّوْه به. (12)

والقرآن كلام الله المعجز، المنَزَّل على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، بواسطة جبريل - عليه السلام -، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر، المتحدى بأقصر سورة منه، المتعبَّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس. (13)

ويصح إطلاق لفظ (القرآن) على المقروء، كما يصح إطلاقه على المكتوب في المصاحف، ويصح إطلاقه على البعض، كما يصح إطلاقه على الكل، فهو مشترك لفظي. (14)

وقد دعا البعض إلى إطلاق اسم"القرآن الْمرتل"على مجموعة أسطوانات القرآن، بدلًا من اسم"المصحف الْمرتل"، ولكن صاحب فكرة الجمع الصوتي آثر استعمال نفس الاسم الذي استُعمل لصحف القرآن، لوروده في الأحاديث النبوية، أو لاختيار المسلمين ذلك الاسم على عهد الخليفة الأول - رضي الله عنه -. ـ (15)

وقد لاحظ في ذلك أن إطلاق الصحابة - رضي الله عنهم - اسم (المصحف) على ما جُمع فيه صحف القرآن، كان تفريقًا بين الصحف -وهي ما يُكتَب فيه، وبين المكتوب فيها -وهو القرآن الذي هو كلام الله تعالى، كما كان هذا الإطلاق تنْزيهًا للفظ (القرآن) من الامتهان، بأن يقال مثلًا: قرآن ابن مسعودٍ أو قرآن أبيٍّ، بدل مصحف ابن مسعود، أو مصحف أبيٍّ، أو أن يقال: وجد خطأٌ في قرآن فلانٍ، يريد مصحفه، أو نحو ذلك. (16)

فيكون اختيار اسم"المصحف"لِمجموعة الأسطوانات أو الأشرطة التي سُجِّل فيها القرآن الكريم مقروءًا -تشبيهًا لَها بالصحف التي كُتِب فيها القرآن.

وهذا تجوُّزٌ يسير مقبول، فإن اسم"المصحف"أصبح في الاستعمال مقتصرًا على ما جُمِع فيه القرآن، فلا مانع من إطلاقه على ما سُجِّل فيه القرآن متلوًّا، ويكون الجامع بين المصحف المكتوب والمصحف المقروء أن كلاًّ منهما قد جُمِع فيه كلام الله تعالى.

أمَّا استعمال لفظ (الْمرتل) في اسم ذلك المجموع في الأسطوانات، فهو مأخوذ من الترتيل.

والتَّرْتيلُ: التَّرْسيلُ في القِراءةِ، والتبيين بغير بغي، وهو مأخوذ من الرَّتَلُ، محرَّكةً: وهو حُسْنُ تَناسُقِ الشيءِ، والحَسَنُ من الكلامِ، والطَّيِّبُ من كلِّ شيءٍ، يُقال: رَتَّلَ الكلامَ تَرْتِيلًا: أحْسَنَ تأليفهُ. (17)

والترتيل في اصطلاح القراء: القراءة بتؤدة واطمئنان، وإخراج كل حرف من مخرجه، مع تدبر المعاني، ومراعاة الوقوف. (18)

قال الجرجاني: وقيل: هو خفض الصوت، والتحزين بالقراءة. (19)

والترتيل هو أفضل مراتب القراءة، إذ هو صفة قراءة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، كما نعتت أم سلمة قراءته - صلى الله عليه وسلم - بأنَّها مفسَّرة حرفًا حرفًا، (20) وقالت عائشة -رضي الله عنها: وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا، حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا. (21)

ومعظم السلف على تفضيل القراءة بالترتيل؛ لأنه يساعد على التدبُّر، فالمقصود من القرآن فهمُه والتفقه فيه، والعمل به، ولأن القراءة بالترتيل أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد أثرًا في نفس القارئ والسامع. (22)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت