عجيب شأن هذا الإسرائيلي هو الذي يفضح موسى، وهو الذي يعترف عليه ويجعل مع ذلك من نفسه بطلًا، كل يوم يخاصم ويلقى من الأذى ما يلقى ويعجز عن نصرة نفسه فيستغيث ويصرخ فيقول له موسى: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} ، ومع ذلك أراد أن ينصره، وأراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما، فيفضحه الرجل وقد توهم أنه يريد قتله فيخبر أنه الذي قتل الرجل بالأمس، وقد كانوا يبحثون عن هذا القاتل، فكأن الفرعوني وجد غايته فتركهما وانصرف، وأخبر قومه بما سمع وما حدث فأتمروا على موسى فتوقفت الدعوة بناءً على ذلك عشر سنوات.
فسبحان الله، عندما خرج موسى خائفًا يترقب تعلَّم وتربَّى تربية جيدة بتربية الله - عز وجل - له، فرفعه الله وأجازه إلى مرحلة جديدة ليرجع بعدها أقوى وأعلم وأفهم وأقرب إلى الله - عز وجل -، فصار كليم الرحمن، وتغيرت كثير من صفاته - عليه السلام - إلى الأكمل والأفضل.
فلنتأمل هذه المواقف لنتعظ بها، وندرك ما يلزمنا في أيام الفتن والمحن حتى لا يغرنا غرور وحتى لا نجهل طريقنا وما يلزمنا لنصرة ديننا، والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد قضى الله تعالى بعدله وحكمته أن يجعل الفرج مع الكرب، والنصر مع الصبر، ويجعل مع العسر يسرًا كما أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن الله - عز وجل - يجعل في اليقين أرفع المراتب، والصبر معه وصول الإنسان للإمامة في الدين فقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24] .
ومن أعظم اليقين أهمية في حياة المؤمن أن يوقن بظهور الإسلام، وعز هذا الدين، وأن الله - عز وجل - يدخله كل مكان وصل إليه ضوء الشمس وبلغه الليل والنهار، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار حتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر