فهرس الكتاب

الصفحة 941 من 979

ويبشرون بأن الفلسفة أخت الشريعة. فهم لن يستطعوا ولو رغبوا في التدخل في تفاصيل حياة الناس من نكاح أو طلاق أو بيوع أو غيرها حتى يطبقوا فيها المقاصد ومنهج سد الذرائع، فهم قلة قليلة من جهة وبضاعتهم- إذا استثنينا أمثال ابن رشد -في الفقه وعلوم الشرع مزجاة، فكيف يفتي في صنعة من ليس بأهلها.

كما أن صاحب هذا الكتاب تجاوز حدود الأدب مع الأئمة بغير حق، وكلامه يوحي وكأن ما فهمه هو عين كلام ابن رشد، والواقع خلاف ذلك. يقول عن ابن رشد: (فهو يصرح هنا-كما ترى-أن مالكا وأضرابه ليس مؤهلا لإدراك غايات الشرع البعيدة) [1] ويقصد قوله: (فلنفوض أمثال هذه المصالح إلى العلماء بحكمة الشرائع الفضلاء الذين لا يتهمون بالحكم بها وبخاصة إذا فهم من أهل ذلك الزمان أن في الاشتغال بظواهر الشرائع تطرقا إلى الظلم)

والحال أن كلامه الأخير يهم عموم الناس وليس فقط الفقهاء، أي عندما يفسد الزمن وتقل التقوى فليس بعيدا أن يتخذ الناس بعض ظواهر الشرع مطية لأعمال وأهواء لا تتناسب ومقاصد الشرع. ولا علاقة لمالك وأمثاله من الأئمة بهذا الأمر إلا من جهة ما وصفوا من الدواء لمثل تلك الأدواء.

وأشير إلى أن هذه الوسطية ألمسها عند ابن رشد في مباحثه الأصولية والمقاصدية عموما وليس في سد الذرائع وحدها، ولا شك أن الجمع بين الظواهر والمقاصد هو سبيل أهل الوسطية والاعتدال في الأمة، ومن مظاهر حفظ الله لها أن يقوم فيها دعاة ومصلحون وعلماء ومجتهدون ومجددون ينادون في الناس كلما جنح بهم التطرف إلى الوسط والاعتدال، فأنكروا في العقائد مذهب الخوارج الذين تمسكوا ببعض الظواهر ومن كان في حكمهم من المذاهب، وأنكروا على المذاهب الباطنية ومن في حكمهم ما انتهوا إليه من فسوق عن منطوق الدين ومفهومه، كما أنكروا مذهب الحشوية المجسمة في صفات الله عز وجل ومذهب المعطلين المنكرين لبعضها.

وفي الفقه خطأوا بعض ما انتهى إليه أهل الظاهر في بعض الأحكام قديما وكذا أنكروا في زماننا بعض مواقف وأحكام"الظاهرية الجدد"ممن ينسبون أنفسهم للسلف وحال أغلبهم بعيد عن معنى وحياة ومقاصد السلف، وحتى الظاهرية كمذهب فقهي ليس لهم غير رسمها واسمها، وإلا أين هم من منهج واجتهاد أمثال داود بن علي الظاهري، والجبل الشامخ ابن حزم رحمهم الله تعالى.

كما استنكر علماء المقاصد تيار الحيل الفقهية الذي يعتمد في الغالب ظاهر العقود بعد أن يفرغها من مقاصدها. وأنكروا تيار التحلل من أحكام الشرع في كثير من أنظمة زماننا عند من يتذرع بمقاصد الشرع وعلل الأحكام.

بعض ما كتب في سد الذرائع بعد ابن رشد

كتب في سد الذرائع وفتحها:

(1) حمادي لعبيدي"ابن رشد وعلوم الشريعة الإسلامية"ص: 110

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت