سد الذرائع من صلب إعمال المصالح، ويحتاج فيها العلماء إلى التوسط حذرا من الزيادة في الشرع، وإسناد ذلك بحسب تعبير ابن رشد إلى الفضلاء، ضمانا لتحقيق مقاصد الشرع، يقول في نكاح المريض مرض الموت: (ولاختلافهم أيضا سبب آخر وهو هل يتهم على إضرار الورثة بإدخال وارث زائد أو لا يتهم( ... ) ورد جواز النكاح بإدخال وارث قياس مصلحي لا يجوز عند أكثر الفقهاء وكونه يوجب مصالح لم يعتبرها الشرع إلا في جنس بعيد من الجنس الذي يرام فيه إثبات الحكم بالمصلحة حتى أن قوما رأوا القول بهذا القول شرع زائد.
وإعمال هذا القياس يوهن ما في الشرع من التوقيف وأنه لا تجوز الزيادة فيه كما لا يجوز النقصان والتوقف أيضا عن اعتبار المصالح تطرق للناس أن يتسرعوا لعدم السنن التي في ذلك الجنس إلى الظلم، فلنفوض أمثال هذه المصالح إلى العلماء بحكمة الشرائع الفضلاء الذين لا يتهمون بالحكم بها. وبخاصة إذا فهم من أهل ذلك الزمان أن في الاشتغال بظواهر الشرائع تطرقا إلى الظلم)
ثم يبين (وجه عمل الفاضل العالم في ذلك أن ينظر إلى شواهد الحال فإن دلت الدلائل على أنه قصد بالنكاح خيرا لا يمنع النكاح وإن دلت على أنه قصد الإضرار بورثته منع من ذلك) ويشبه المسألة بما يحدث في عالم الحرف والصناعة بفعل الخبرة حيث يقع التمييز في الجودة والزيف وغيره (كما في أشياء كثيرة من الصنائع يعرض فيها للصناع الشيء وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم إذ لا يمكن أن يحد في ذلك حد مؤقت صناعي وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب وغيرها من الصنائع المختلفة) [1]
والذي يفهم من كلام ابن رشد أن بعض القضايا مثل هذه التي تختلف بحسب الأحوال والأشخاص والقرائن لا يمكن الاطمئنان فيها إلى حكم يشمل الجميع، ويكون سببا لتقييد حريات الناس في التصرف، فنحكم مثلا على كل نكاح قام به شخص في حالة مرض برده وتوقيفه. إنما نحيلها على أولياء الأمور والقضاة ومن في حكمهم إذا ظهرت لهم من القرائن والأحوال ما يفيد الرغبة في الإضرار بالورثة، أو غيرها من المقاصد غير السليمة، يمكن عندها التدخل في مثل هذه العقود وتقييد الحريات.
على أن ذلك يكون في أكمل صورة كلما كان من يتولى ذلك متصفا بالنزاهة والفضل ونشدان المصلحة وغير ذلك الخصال الحميدة.
وقد جنح الخيال بعيدا بصاحب كتاب"ابن رشد وعلوم الشريعة"وحمل كلام ابن رشد أكثر مما يحتمل وقوله ما لم يقل، فاعتقد أنه قصد إحالة مثل هذه القضايا على الفلاسفة ومن يسميهم بالحكماء، والحال أن وضعهم في مثل زمان ابن رشد كانوا من القلة والعزلة وتداول معظم قضاياهم بالسر والكتمان أو قريب من ذلك، وقصارى أمنيتهم وحلمهم الذي قاده ابن رشد نفسه أن يجدوا موطئ قدم، ونوعا من المشروعية باعتبارهم يقصدون إلى الحق الذي جاءت به الشرائع
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 35