العزيز في القسامة إنهم إن أقاموا شاهدي عدل أن فلانا قتله فأقده ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين أقسموا) [1]
ويبدو كما يقول بعض المعاصرين [2] استنتاجا من كلام ابن القيم أن القول بعدم حجية قول الصحابي مما أحدث بعد عصر السلف كما أحدث القول بعدم مشروعية القياس. غير أن الفرق في نظري، هو أن"قول الصحابي"غلب فيه عند السلف الجانب التطبيقي، حيث يتعرضون لكل موقف، صادفوا فيه أقوالهم وأفعالهم، فيتعاملون بما يناسب ذلك الموقف، من الأخذ بها أو عدمه، إذا وجدوا ما هو أقوى منها حسب ما أداه إليهم اجتهادهم.
ولم يكن القصد تحرير القول في الحجية ومرتبة الاستدلال شأن الأصوليين المتأخرين الذين تخصصوا في تحرير القول في الجانب النظري للمسألة انطلاقا من استقراء تطبيقات السلف لهذا الأصل.
وقد حاول صاحب"إرشاد الفحول"إجمال كلام المتأخرين في قول ملخصه: (اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر [3] ، الثاني أنه حجة شرعية مقدمة على القياس وبه قال أكثر الحنفية ونقل عن مالك وهو قديم قولي الشافعي، الثالث أنه حجة إذا انضم إليه القياس فيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي وهو ظاهر قول الشافعي في الرسالة، الرابع أنه حجة إذا خالف القياس لأنه لا محمل له إلا التوقيف، ولا يخفاك أن الكلام في قول الصحابي إذا كان ما قاله من مسائل الاجتهاد أما إذا لم يكن منها ودل دليل عل التوقيف فليس مما نحن بصدده. والحق انه ليس بحجة [4] ( ... ) إن مقام الصحبة مقام عظيم ولكن ذلك في الفضيلة وارتفاع الدرجة وعظمة الشأن وهذا مسلم لا شك فيه ( ... ) ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ... ) فإن الله لم يجعل اليك والى سائر هذه الامة رسولا الا محمدا صلى الله
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 320
(2) الأستاذ ترحيب بن ربيعان بن هادي الدوسري في كتابه: (حجية قول الصحابي عند السلف)
(3) جاء في الإحكام لابن حزم: (قيل لابن عمر في اختياره متعة الحج على الإفراد إنك تخالف أباك فقال أكتاب الله أحق أن يتبع أم عمر روينا ذلك عنه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر( ... ) وقال ابن عباس ألا تخافون أن يخسف الله بكم الأرض أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر) ج: 2 ص: 155
(4) مما يقوي هذا الاتجاه حدوث الإجماع بعد عصر الصحابة ولبعض الصحابة رأي مخالف للإجماع الذي حدث بعدهم مثل قوله في"البداية": (أجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز إلا مثلا بمثل يدا بيد إلا ما روي عن ابن عباس ومن تبعه من المكيين فإنهم أجازوا بيعه متفاضلا ومنعوه نسيئة فقط) بداية المجتهد ج: 2 ص: 147وقوله: (وأجمع الجمهور على أن مسكوكه وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلا لعموم في ذلك إلا معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ لمكان زيادة الصياغة) ج: 2 ص: 148 وقوله: (واتفقوا على أنه ليس فيما دون الموضحة خطأ عقل وإنما فيها حكومة قال بعضهم أجرة الطبيب إلا ما روي عن عمر وعثمان أنهما قضيا في السمحاق بنصف دية الموضحة وروي عن علي أنه قضى فيها بأربع من الإبل وروي عن زيد بن ثابت أنه قال في الدامية بعير وفي الباضعة بعيران وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة وفي السمحاق أربعة والجمهور من فقهاء الأمصار على ما ذكرنا) بداية المجتهد ج: 2 ص: 314