"الضروري"عند حديثه عن تعريف الحكم في مسألة الحسن والقبح العقليين والاختلاف الواقع في ذلك بين السنة والمعتزلة حيث قال: (وفائدة معرفة هذا الاختلاف في هذه الصناعة تتصور عند النظر في القياس المناسب والمخيل وجميع أنواعه) [1] وعند قوله أيضا: (فإن الأنواع التي يسمونها بالقياس المخيل والمناسب وقياس الشبه هي قرائن تدل عندهم على إبدال الألفاظ، وليست أقيسة ولا يوجد لها فعل القياس) [2] ويقصد بالقياس هنا القياس العقلي المجرد بما هو استنباط مطلب مجهول عن مقدمات معقولة.
أما بخصوص القياس المرسل فقد جاء في"البداية"العديد من الأمثلة لهذا النوع من القياس، من ذلك: قوله في رأي مالك في زكاة المدير: (وأما مالك فشبه النوع ههنا بالعين لئلا تسقط الزكاة رأسا عن المدير وهذا هو بأن يكون شرعا زائدا أشبه منه بأن يكون شرعا مستنبطا من شرع ثابت( ... ) ومالك رحمه الله يعتبر المصالح وإن لم يستند إلى أصول منصوص عليها) [3]
ومثاله أيضا قوله في حكم الزواج: (فأما من قال إنه في حق بعض الناس واجب وفي حق بعضهم مندوب إليه وفي حق بعضهم مباح فهو التفات إلى المصلحة وهذا النوع من القياس هو الذي يسمى المرسل وهو الذي ليس له أصل معين يستند إليه وقد أنكره كثير من العلماء والظاهر من مذهب مالك القول به) [4]
وقال أيضا:(واختلفوا إذا تشاح الشريكان في العين الواحدة منهما ولم يتراضيا بالانتفاع بها على الشياع وأراد أحدهما أن يبيع صاحبه معه فقال مالك وأصحابه يجبر على ذلك فإن أراد أحدهما أن يأخذه بالقيمة التي أعطي فيها أخذه وقال أهل الظاهر لا يجبر لأن الأصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع وحجة مالك أن في ترك الإجبار ضررا وهذا من باب القياس المرسل وقد قلنا في غير ما موضع إنه ليس يقول به أحد من فقهاء الأمصار إلا مالك ولكنه كالضروري في بعض الأشياء.
وإنما صار الكل إلى القول بالحبس في الديون وإن كان لم يأت في ذلك أثر صحيح لأن ذلك أمر ضروري في استيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض وهذا دليل على القول بالقياس الذي يقتضي المصلحة وهو الذي يسمى بالقياس المرسل وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام حبس رجلا في تهمة خرجه فيما أحسب أبو داود) [5]
(1) "الضروري"ص: 41
(2) الضروري: ص: 130
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 196 - 197
(4) بداية المجتهد ج: 2 ص: 2
(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 220