الأحكام تناط بالغالب لا بالصورة النادرة:
قال ابن حجر: (وقال اليعمري: الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة فينبغي للأئمة التخفيف مطلقا، قال: وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر وعلل بالمشقة وهو مع ذلك يشرع ولو لم يشق عملا بالغالب) [1]
وفي تأكيد تعليق الشارع الأحكام بالأمور الغالبة، يقول الشوكاني: (شرعية الشفعة إنما هي لدفع الضرر وهو إنما يحصل في الأغلب مع المخالطة في الشيء المملوك أو في طريقه ولا ضرر على جار لم يشارك في أصل ولا طريق إلا نادرا واعتبار هذا النادر يستلزم ثبوت الشفعة للجار مع عدم الملاصقة لأن حصول الضرر له قد يقع في نادر الحالات كحجب الشمس والإطلاع على العورات ونحوهما من الروائح الكريهة التي يتأذى بها ورفع الأصوات وسماع بعض المنكرات ولا قائل بثبوت الشفعة لمن كان كذلك والضرر النادر غير معتبر لأن الشارع علق الأحكام بالأمور الغالبة) [2]
الأحكام تترتب على الأسباب:
يقول الزيلعي في تبيين الحقائق: (الأحكام تثبت بأسبابها فصارت كالعلل الشرعية , فإنها أمارات في حق الشارع وفي حقنا لها حكم الإثبات. ولهذا وجب الضمان على الشهود عند الرجوع ; لأن الحكم يحال إلى شهادتهم إيجابا) [3]
ويقول الزرقاني في شرحه على الموطأ: (فمن زوج ابنته هازلا انعقد النكاح وإن لم يقصده، والطلاق فيقع طلاق اللاعب إجماعا، والعتق فمن أعتق رقيقه لاعبا عتق وإن لم يقصده، لأن اللاعب بالقول وإن لم يلتزم حكمه فترتب الأحكام على الأسباب للشارع لا له فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه شاء أم أبى ولا يعتبر قصده لأن الهازل قاصد للقول مريد له مع علمه بمعناه وموجبه وقصد اللفظ المتضمن للمعنى قصد لذلك المعنى لتلازمهما إلا أن يعارضه قصد آخر كالمكره فإنه قصد غير المعنى المقول وموجبه فلذا أبطله الشارع) [4]
وقد سئل سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار (عن طلاق السكران فقالا: إذا طلق السكران جاز طلاقه وإذا قتل قتل به، قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا. وبه قال جماعة من التابعين وجمع من الصحابة والأئمة الأربعة فيصح عنه مع أنه غير مكلف تغليظا عليه ولأن صحته من قبيل ربط الأحكام بالأسباب) [5]
اختلاف الأسباب يقتضي اختلاف الأحكام:
وفي السياق السابق يقول الزرقاني أيضا: (وخالف أبو حنيفة لأن اختلاف الأسباب يقتضي اختلاف الأحكام لأجل إصلاح الحكمة والقتل مباين للظهار وهذا ظاهر ببادىء الرأي لكن يرد ما في الصحيح في حديث السوداء أن سيدها قال للنبي
(1) فتح الباري ج: 2 ص: 199
(2) نيل الأوطار ج: 6 ص: 83
(3) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ج 4 ص 295
(4) شرح الزرقاني ج: 3 ص: 214
(5) شرح الزرقاني ج: 3 ص: 282