يقول ابن حزم: (فصح بما ذكرنا أن المأمورين بتنفيذ الأحكام والفتيا في الدين: الفقهاء الذين قد سمعوا النصوص كلها، وعرفوها، وعرفوا الإجماع والاختلاف، وأن كل من كان بخلاف هذه الصفة فلم يأمر قط بقطع من سرق جبالا من ذهب ولا بأن يفتي في تحريم من أرضعت ألف رضعة ولا بجلد زان حرا أو عبدا. وكل متفقه فقبل أن يكمل تعلم النصوص والإجماع فهو غير مأمور ولا مخاطب بالحكم في شيء ولا بالفتيا في شيء، لكنه مأمور بالطلب والتعليم فإذا فقه فحينئذ لزمه تنفيذ ما سمع على عمومه وظاهره ما لم يأت نص بنسخ أو تخصيص أو تأويل) [1]
ويقول ابن رشد في"الضروري"بخصوص علم المجتهد بنصوص الأحكام (أما ما يكفيه من معرفة الكتاب فمعرفة الآيات المتضمنة للأحكام، ومعرفة الناسخ منها من المنسوخ، وهي نحو: خمس مئة آية، هذا على وجه التخفيف، والأفضل له معرفة الكتاب كله. وقد رخص له في حفظ الآيات المتضمنة للأحكام إذا كانت مواضعها معلومة عنده بحيث إذا وردت المسألة في أمر ما عالم أين يطلبها. ) [2]
ويقول بخصوص السنة (وأما ما يكفيه من معرفة السنة، فمعرفة الأحاديث التي تتضمن الأحكام. وقد يخفف عنه في أن لا يحفظها، بل يكفيه أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتضمنة للأحكام يرجع إليه وقت الحاجة إلى الفتوى، والأفضل له أن يحفظها. وأما معرفة صحة أسانيدها، فإن هو عول في صحتها على من يحسن ظنه به كالبخاري ومسلم كان مقلدا، وان هو أيضا احتاج أن يعدل الرواة ويتبع سيرهم وأحوالهم وأوقاتهم طال عليه وتشعب جدا، ولاسيما ما تباعد الزمان. والتخفيف عنه في ذلك أن يكتفي بتعديل الإمام في ذلك إن علم مذهبه في التجريح والتعديل، وكان ذلك موافقا لمذهبه. ) [3]
من يرى من العلماء أن استحضار آيات الأحكام جميعا أثناء الاجتهاد ليس بلازم:
يقول صاحب البحر الزخار: (لا خلاف بين أهل التحقيق من علماء الأمة وأكابر الأئمة , أن القدر الذي يقتعد من أحرزه تحت الاجتهاد , ويعد صاحبه من جهابذة الانتقاد , هي علوم خمسة: الأول: الكتاب , والمعتبر منه معرفة مواقع آيات الأحكام وهي خمسمائة آية لا غير. الثاني: السنة , والمعتبر منها الآثار الواردة في الأحكام الشرعية الوجوب , والندب , والإباحة , والكراهة , والحظر دون القصص وفضائل الأعمال.
وقد نص كثير من علماء الأصول على أن مثل (سنن أبي داود) كاف واف في القدر المعتبر من ذلك وأن أحد طرق الرواية كاف في حفظها. الثالث: المسائل التي تواتر الإجماع عليها من السلف والخلف. الرابع: علم أصول الفقه وتحقيق
(1) الإحكام لابن حزم ج: 3 ص: 364
(2) الضروري: ص: 137
(3) الضروري: ص: 137 - جاء في البحر المحيط في شأن تقليد أئمة الحديث في الحكم على الروايات: (قال الشيخ أبو إسحاق والغزالي: ويقول على قول أئمة الحديث , كأحمد والبخاري ومسلم والدارقطني وأبي داود , لأنهم أهل المعرفة بذلك , فجاز الأخذ بقولهم , كما نأخذ بقول المقومين في القيم) ج: 8 ص: 235