يقول الجصاص في أحكامه: (فإنه صلى الله عليه وسلم مساو للأمة في سائر الأحكام إلا ما خصه الله تعالى به وأفرده من الجملة بتوقيف للأمة عليه بقوله تعالى: {واتبعوه} وقوله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} . ) [1] ويقول ابن حجر: (الخصوصيه لا تثبت الا بدليل والأصل عدمه( ... ) والحق أن حكمه حكم جميع المكلفين في الأحكام التكليفيه الا فيما خص بدليل) [2]
وفي موضع آخر في استعراض فوائد أحاديث أحد الأبواب (استواء المكلفين في الأحكام، وأن كل حكم ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حق أمته إلا ما استثني بدليل( ... ) الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته ويبادرون إلى الائتساء به إلا فيما نهاهم عنه) [3] فالأصل تعدي الأحكام [4] من الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى غيره من المكلفين.
أهمية تعلم الأحكام وتبليغها:
علم الأحكام بين فرض العين وفرض الكفاية:
ذكر الشافعي في الرسالة في باب العلم قوله: (العلم علمان: علم عامة لا يسع مغلوب على عقله جهله( ... ) مثل الصلوات الخمس وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحج البيت إذا استطاعوه وزكاة في أموالهم وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفوا عنه ما حرم عليه منه) [5]
ومثل للقسم الثاني منه بقوله: (ينوب العباد من فروع الفرائض وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في الأكثر نص سنة، وإن كانت في شيء سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل ويستدرك قياسا) [6]
ثم بين حكم هذه الدرجة من العلم بالأحكام، والتي تنتقل من فرض عين الواجبة في الأولى إلى فرض كفاية، يقول: (هذه درجة من العلم ليس تبلغها العامة ولم يكلفها كل الخاصة، ومن احتمل بلوغها من الخاصة فلا يسعهم كلهم كافة أن يعطلوها وإذا قام بها من خاصتهم من فيه الكفاية لم يحرج غيره ممن تركها إن شاء الله والفضل فيها لمن قام بها على من عطلها) [7] واحتج بقول الله عز وجل: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة .. ) الآية وجعل الشافعي رحمه الله تعالى ذلك مثل الجهاد في سبيل الله عز وجل والصلاة على الجنازة ودفن الموتى ورد السلام.
فما تبادر إلى الأفهام معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام لا يعذر أحد بجهله، يقول الزرقاني في مناهل العرفان: (وأما ما لا يعذر أحد بجهله فهو ما
(1) أحكام القرأن للجصاص: ج: 1 ص: 271
(2) فتح الباري ج: 1 ص: 272
(3) فتح الباري ج: 4 ص: 205
(4) تفسير القرطبي ج: 3 ص: 216
(5) الرسالة: ج: 1 ص: 356
(6) الرسالة: ج: 1 ص: 358
(7) الرسالة: ج: 1 ص: 360