وقال سبحانه ... {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) } ... [الزمر: 28]
{قَيِّمًا}
بعد أن نفى عنه العِوَج: بيَّن كماله وتمامه بهذا الوصف {قَيِّمًا} فهو قيمٌ في ذاته، مُقِيمٌ لغيره، وهذا من باب"التخلية قبل التحلية"، فنفى عنه العوج، وأثبت له الكمالَ والإكمال في ألفاظه وتراكيبه، ومقاصده وأساليبه، فهو المنهج القويم والصراط المستقيم، وهو الداعي إلى الاستقامة في جميع الأمور، وبه قوامُ الحياة وصلاحها، فهو مصدرُ نهضتنا، ونبراسُ حضارتنا، وأساسُ عزِّنا، وعنوانُ مجدِنا، ومنارُ هدايتنا، ودستورُ وَحدتنا، وطريقُ نجاتِنَا، وسبيلُ سعادتِنا.
قال صاحب روح البيان:" {قَيِّمًا} : مستقيما معتدلا، لا إفراط فيه ولا تفريط، أو قيما بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد، فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال" [1] .
كذاك فهو قيِّمٌ على الكتب السابقة: مصدقٌ بها، داعٍ إلى الإيمان بها، ومهيمنٌ عليها، قد استوعبَ ما جاء فيها من أخبارٍ وأحكامٍ، وقصصٍ وأمثالٍ، شاهدٌ على صحتها، مصدقٌ لها.
{لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ}
نزل هذا الكتابُ القيمُ بهذا النهجِ القويمِ: لينذر الكافرين بعذاب شديدٍ بأسُهُ، في العاجل والآجل، وجاء التعبير بـ {مِنْ لَدُنْهُ} للإيذانِ بشدةِ هذا العذابِ، وقدَّم النذارة على البشارة من باب الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، ولأن دفع المكروه مقدمٌ على تحصيل المطلوب ونيل المرغوب، من باب درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ويجوز أن يعود الضمير في {لِيُنْذِرَ} إلى القرآن، أو يعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أي ينذر بالقرآن، كما في قوله تعالى {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} الأنعام: 19، وقوله سبحانه {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) } يس: 69 - 70
{وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) }
جاء القرآن بالبشارة للمؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحة والتي يتعدى نفعُها للآخرين، وعبَّر بالفعلِ المضارعِ للدلالة على التجدد والاستمرار، والأجرُ الحَسَنُ كما قال صاحب لطائف
(1) - روح البيان للبروسوي 5/ 215