الصفحة 10 من 109

وفي إخباره عن نزوله بيانٌ لشرفه وسموِّ مصدره ورفعة مقاصده، واللام في الكتاب لام العهد الذهني، وإنما عبر بوصف العبودية لأنها أسمى المقامات، تناسبًا مع شرف نزول الكتاب عليه - صلى الله عليه وسلم -، وإشارة إلى أن من أسمى مقاصده بيان العبودية وتفصيل ما يتعلق بها من معانٍ وأحكام.

فعلَّم الله جل وعلا عبادَه في أول هذه السورة الكريمة أن يحمَدوه على أعظم نعمائه، نعمة إنزال أعظم الكتب على خير الرسل بأكمل الشرائع وأقوم الهدايات، وأيسر الطرق إلى العصمة والنجاة.

قال البيضاوي:"رتَّب استحقاقَ الحمدِ على إنزالِهِ: تنبيهًا على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد" [1] .

من خصائص الكتاب ومقاصده

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) } .

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} .

دلت الآية الأولى على أن هذا الكتاب من عند الله سبحانه، أنزله على قلب نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وفي التعبير بالنزول إشارة إلى سمو مصدره، ورفعة قدره، وفي الحمد دليلٌ على كونه من أجلِّ النعم التي منَّ الله بها على عباده.

{وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} :

بيَّن تعالى سلامتَه من كل عِوَجٍ: فلا يتطرق إليه خللٌ أو نقصٌ، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني، كيف وقد جمع بين فصاحة ألفاظه ودقتها وقوة دلالتها، وبين جمال التراكيب وروعة الأساليب، وصدق الأخبار، وعدل الأحكام.

فلا اعوجاج فيه ولا انحراف، ولا تناقض ولا اختلاف، قال تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } النساء: 82.

(1) - أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي ص 474

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت