... وتلك بحق صفة جليلة أن يحترم العالم آداء غيره ولا ينتقص من شأنهم فمثلًا يقول ابن سنان عن أستاذه أبى العلاء:"وأجاز لنا في بعض الأيام شيخنا أبو العلاء ..." [1] .
... ويقول عنده نقده لبيت مسلم:"ولولا أن هذا البيت مروى لمسلم ، وموجود في ديوانه ، لكنت أقطع على أن قائله أبعد الناس ذهنا ، وأقلهم فهمًا ... لكنى أخال خطوة من الوسواس عرضت له وقت نظم هذا البيت ، فليته لما عاد إلى صحة مزاجه ، وسلامة طبعه ، جحده فلم يعترف به ، ونفاه فلم ينسب إليه ..." [2]
... ومن أراد شاهدًا على تواضعه الجم فليوازن بينه وبين أبى هلال العسكرى أو ابن الأثير .
... يقول أبو هلال العسكرى [3] . معلقًا على شعر الهجاء:
"... وليس في هذا الباب أبلغ من هذا ، ولا أعرفنى سُبقت إليه..."بينما يقول ابن سنان مثلًا:
..."ولهذا لست أدعى السلامة من الخلل ولا العصمة من الذلل، وأعترف بالتقصير ، وأسأل من ينظر في كتابى هذا بسط عذرى ، والصفح عما لعله يثيره على [4] "
... وإذا أردت مثالًا آخرًا على تواضعه الجم وأدبه في نقده وكتابته فالكتاب برمته خير شاهد على ذلك .
... يقول أحد الباحثين في ذلك [5] :
"كان الخفاجى عفَّا نزيهًا ، فلم يهج قائلًا ، أو يعنف ذا رأى ، ولم يكن على طول باعه ورصانة أسلوبه ، ورجاحة فكره بالمحدث عن نفسه ، أو المعلن عن بضاعته..."
... ومن الصفات التى تحلى بها ابن سنان"أمانته العلمية"، في كل ما ينقله عن غيره ، فلم ينتحل مذهبًا ، ولم يدع لنفسه رأيًا بل نراه ينسب الرأى لصاحبه [6] ، ويذكر مصدره ، فهو حريص على أمانته العلمية ، صادق في نسبة بعض الآراء لنفسه .
(1) انظر سر الفصاحة ص 103 .
(2) السابق ص 104 .
(3) ديوان المعانى ـ أبو هلال العسكرى جـ 1 ص 216 .
(4) سر الفصاحة ص 85 .
(5) أ. كامل الفقى ـ بحث نشره في مجلة الأزهر سنة 1361 هـ .
(6) هذا واضح في كتابه فنراه يقول: عن شيخنا أبو العلاء .. عن قدامة .. عن الآمدى ...