وأرى أن هذا الرد صحيح، كما ذهب إلى ذلك جمهور النحويين؛ لأن كون (من) في محل جر يلزم منه محذور عظيم؛ فإن (أفعل) التفضيل- كما ذكر ابن فضال - لا تضاف إلا إلى جنسها، فإذا قلنا: (زيد أعلم الضالين) لزم أن يكون (زيد) بعض الضالين؛ فيكون متصفًا بالضلال. وهذا الوجه مستحيل في هذه الآية الكريمة.
6 -الرد على ابن قتيبة في إنكاره قراءة أبي حيوة:
{وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [1] بفتح الهمزة.
قرأ الجمهور: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} بكسر همزة (إنَّ) [2] ، وقد ذهب الفراء، وابن فضال، والعكبري إلى أن الهمزة كسرت"للاستئناف بالتذكير لما ينفي الحزن، ولا يجوز أن يكون كسرت؛ لأنها وقعت بعد القول، لأنه يصير حكاية عنهم، وأن النبي - عليه اللام - يحزن لذلك، وهذا كفر" [3] . وقيل: هو جواب سؤال مقدر، كأن قائلًا قال: لم لا يحزنه قولهم وهو مما يحزن؟ فأجيب بقوله: (إن العزة لله جميعًا) ، ليس لهم منها شىء، فكيف تبالي بهم وبقولهم؟! [4] وعلى هذا فالوقف على (قولهم) ، ثم يستأنف (إن العزة) [5] .
وقرأ أبو حيوة: {وَلاَيَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} بفتح الهمزة [6] ، وليس معمولًا لـ (قولهم) ؛ لأن ذلك لا يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو قول حق [7] .
وللنحويين في تخريج هذه القراءة وجهان:
الأول: أنه على حذف لام العلة، والتقدير: (ولا يحزنك قولهم لأجل أن العزة لله جميعًا) [8] ، واختاره ابن فضال، والزمخشري، وأبو حيان [9] .
الثاني: أن (أنَّ) وما في حيزها بدل من (قولهم) ، كأنه قيل: (ولا يحزنك أن العزة لله) [10] ، وأنكر هذا الوجه: أبو حيان، وتلميذه السمين [11] ؛ إذ"كيف يظهر هذا التوجيه أو يجوز القول به؟ وكيف ينهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك المعنى، وهو لم يتعاط شيئًا من تلك الأسباب، وأيضًا فمن أي قبيل الأبدال هذا؟" [12] .
(1) سورة يونس آية 65.
(2) انظر: السبعة 328.
(3) النكت 285، 1/ 284ط الرشد.
(4) انظر: الدر المصون 6/ 233.
(5) انظر: الكشاف 2/ 243، والإملاء 2/ 17.
(6) انظر: الكشاف 2/ 244.
(7) البحر المحيط 6/ 83.
(8) انظر: الدر المصون 6/ 233.
(9) انظر: النكت 285، والكشاف 2/ 244، والكتاب الفريد 3/ 401، والبحر المحيط 6/ 83.
(10) انظر: الدر 6/ 233.
(11) البحر الميط 6/ 83. والدر 6/ 233.
(12) الدر 6/ 233.