وبعد عرض هذه الأوجه الاعرابية المختلفة التي ذكرت في تخريج هذه الآية الكريمة يتبين لنا أن الإعتراض الذي ذكره ابن فضال على قول الكسائي، صحيح، سبقه إليه الفراء والزجاج، والنحاس، وكذلك شيخه ابن فضال وغيرهم، وذلك لأن المعنى يأبى ذلك؛ فإن الصابئين غير اليهود، وأيضًا لأن العطف على الضمير المرفوع من غير توكيد قبيح، ولا يجوز إلا في ضرورة الشعر، كما ذكرنا ذلك.
5 -المحل الإعرابي لـ (منَْ) في قوله تعالى:
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} [1] .
في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} ذهب النحويون إلى أن (أعلم) فيها قولان:
الأول: أنها على بابها من التفضيل.
الثاني: أنها ليست للتفضيل، بل هي بمعنى اسم الفاعل، كأنه قيل: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَعْلَمُ) [2] .
وقد اختلف هؤلاء النحويون في محل (مَنْ) على أقوال:
الأول: أنها في محل نصب على حذف الباء، أي: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ} [3] ، وذلك حتى يكون مقابلًا لقوله تعالى: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} .
ورده ابن جني، وأبو حيان من وجهين:
أحدهما: أن ذلك لا يطرد. والثاني: أن أفعل التفضيل لا يعمل النصب في المفعول به بنفسها لضعفها [4] .
الثاني: أنها في محل رفع مبتدأ؛ لأنها استفهامية، بمعنى (أيّ) ، و (يضل) خبره.
وهذه الجملة في محل نصب بـ (أعلم) ، فهي معِّلقة لأفعل التفضيل [5] ، والتقدير: (أعلم أيّ الناس يضل) ، كقوله تعالى: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى} [6] .
وقد ذهب إلى هذا الكسائي، والفراء، والمبرد، والطبري، والزجاج، كما اختاره - أيضًا - النحاس، ومكي، وأجازه العكبري، والمنتجب الهمداني [7] .
(1) سورة الأنعام آية 117.
(2) ومنع الطبري والواحدي من ذلك؛ لأنه لا يطابق بقية الآية: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} . انظر: جامع البيان 8/ 9، والدر 5/ 126.
(3) انظر: جامع البيان 8/ 8 - 9، والنكت 254، والكتاب الفريد 2/ 680، والجامع لأحكام القرآن 7/ 74، والبحر 4/ 629، والدر 5/ 126.
(4) انظر: البحر 4/ 629.
(5) انظر: النكت 254، والكتاب الفريد 2/ 680، والدر 5/ 127.
(6) سورة الكهف آية 12.
(7) انظر: معاني الفراء 1/ 352، وجامع البيان 8/ 9، ومعاني الزجاج 2/ 314، وإعراب النحاس 2/ 93، والمشكل 1/ 285، والإملاء 1/ 150، والكتاب الفريد 2/ 680.