دلالة السكوت على الإباحة: الأحكام الفقهية تستنبط في العادة من أدلة منطوقة من القرآن أو السنة أو الإجماع أو القياس , لكن في بعض الأحوال ترى للسكوت دلالة يؤخذ منها الحكم الفقهي ومن ذلك الحكم بالإباحة عند السكوت , ودليل ذلك ما رواه أبو ثعلبة الخشنى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ("إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها , وحرم حرمات فلا تنتهكوها , وحدد حدودا فلا تعتدوها , وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها") لقد فهم العلماء من هذا السكوت العفو , والصفح , وزاد ابن كثير أن السكوت هنا يفيد الأمر , يقول: (أي ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه فاسكتوا أنتم عنه كما سكت عنه) وهذه دلالة قد لا تخطر على بال ناظر , ولكنها موجودة في طيات السياق , فالسياق في شأن تفصيل الحلال والحرام , ووضع الفرائض , والحدود , وفي مثل هذا السياق , وما دام الذي يضع ذلك هو ربنا سبحانه وتعالى , وهو الذي لا ينسى ولا يغفل , ثم يسكت عن أشياء دون توضيح الحكم فيها , فكأنه يأمرك أن تسكت عما سكت عنه , وهذا ما أكده النهي الذي جاء عقب السكوت حيث قيل"فلا تسألوا عنها"واجتماع الأمر والنهي على معنى واحد دليل على الإبلاغ في توكيدها , ودفع الشبه التي قد تثور حولها , وكأنما قال: لا تسألوا عن المسكوت عنه , لا تسألوا عن المسكوت عنه - هكذا بالتكرار - وزاد القرطبي ففسر السكوت بالعفو فقال: (والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير , أي"لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم , أي: أمسك عن ذكرها , فلم يوجب فيها حكما) كما أن الاحتراس الموجود في قوله"غير نسيان"يفيد أن السكوت قد يفهم منه النسيان في مقام التشريع , لكن حين يخرج التشريع ممن لا ينسى , فلا مجال للنسيان هنا إنما الأمر كما جاء في رواية أخرى (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فان الله لم يكن ينسى شيئا) "
دلالة السكوت على عدم العلم: من دساتير الإسلام الشاملة لكثير من أمور الحياة ما جاء في سورة الإسراء"ولا تقف ما ليس لك به علم"الإسراء 36 يقول ابن عباس (لا تشهد إلا بما رأت عيناك , وسمعته أذناك , ووعاه قلبك , وقال أبو قتادة: لا تقل سمعت ولم تسمع , ولا رأيت ولم تر , ولا علمت ولم تعلم , والمراد من كل ذلك: النهي عن القول بلا علم) وحين تغيب المعلومة , فلا سبيل إلى الكلام , بل السكوت هو خير من يعبر عن عدم العلم , وبخاصة في القضايا التي لم ينزل بها الوحي , أو يشتبك فيها الأمر فلا يدرى وجه الإجابة , ومن ذلك: (أن رجلا جاء إلى للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أتصدق وأصل الرحم , ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى , فيُذكر ذلك مني وأحمد عليه , فيسرني ذلك وأعجب به فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا , فأنزل الله تعالى:(فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا"الكهف 110) والسكوت هنا كأني ألمح منه حيرة الرجل في الأمر , فهو يريد وجه الله تعالى في أعماله حيث قال:"لا أصنع ذلك إلا لله", لكن المشكلة طرأت من سروره وإعجابه من ذكر الناس له , ولله در هذا الصحابي , ومن الذي لا يسر من ذلك؟!!!!! من الذي لا يهش ولا يبش حين يُرى على الطاعة؟!!! وبخاصة في أعمال لا يمكن سترها مثل صلة الرحم , وكثير من الصدقات؟ وعلى ذلك: كيف نفسر سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ هل كان غضبا من سرور الرجل بطاعاته؟ أم كان إقرارا له , ورفعا للحرج عنه؟ أم أن الأمر محير يحتاج إلى أن يرد إلى العليم بخبايا النفوس , وطوايا الضمائر؟ إن الذي أراه هو هذا الأخير , ولو كان الأمر واضحا من"