المضجع , فكأن الإعراض عنها وسيلة من وسائل البيان عن السخط والغضب , ولقد استعمل رسول الله هذه الوسيلة البيانية مع زوجاته , حين اعتزلهن شهرا , وتؤكد الروايات أنه ما كلم واحدة منهن في هذه المدة , مما يدل على أن السكوت والإعراض ينطق في بعض السياقات بالغضب.
ترك الجدال بالسكوت: حين ترى الكلام لا يجدي نفعا , وأن من أمامك لا يريد إلا المجادلة , حينها ترى السكوت أهدى وأقوم قيلا , فهناك أسئلة لا تنفع معها إجابة , وبخاصة حين ترى من أمامك يسألك لا ليفهم وإنما ليعارضك ويجادلك , ويشغب عليك , ومن نماذج ذلك ما رواه سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال (اجتمعت قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر, فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا , وشتت أمرنا , وعاب ديننا , فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه فقالوا: ما نعلم إلا عتبة بن ربيعة , فقالوا: أنت يا أبا الوليد , فأتاه عتبة , فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك , فقد عبدوا الآلهة التي عبت , وإن كنت تزعم أنك خير منهم , فتكلم حتى نسمع قولك , إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك , فرقت جماعتنا , وشتت أمرنا , وعبت ديننا , وفضحتنا في العرب , حتى طار فيهم أن في قريش ساحرا , وأن في قريش كاهنا , والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى: أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى. أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا , وإن كان بك الباءة , فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرغت؟ قال نعم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم) فصلت حتى بلغ"فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود". فقال عتبة: حسبك حسبك , ما هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. فرجع إلى قريش , فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته , قالوا: فهل أجابك قال نعم: لا. والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا إلا أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك , يكلمك الرجل بالعربية , لا تدري ما قال؟!! قال: لا والله ما فهمت شيئا مما ذكر الصاعقة) انظر متى سكت رسول الله؟ ومتى تكلم؟ تعلم أن السكوت كان وقت لا ينفع الكلام , حيث أريد منه الإجابة على أسئلة إجابتها معروفة لعامة المسلمين , فهو والله خير من عبد المطلب , وهو والله خير من عبد الله أبيه , وهو والله خير الناس كلهم , لكن هذه الإجابة في عرف أهل الجاهلية معرة , وسُبة لمن يدعيها , فلقد تعارف أهل الجاهلية على الفخر بالأحساب , والتعالي بالأنساب , فالناس كانوا يعيبون على حسان بن ثابت أنه افتخر بمن ولد , ولم يفخر بالآباء والأجداد , ففي الجبلة العربية الفخر , والعز كله للآباء , وكان من حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سكت عن الإجابة عن هذه الأسئلة , ولو قال لعتبة إنه خير من عبد الله , ومن عبد المطلب لجن جنونه , ولقام في العرب صارخا إن محمدا يزعم أنه خير من أبيه وجده , وتلك معرة عند العرب لا يمحوها شيء , لذلك ترى السكوت لا بلاغة فوقه في هذا المقام , ولا بيان يرقى رقيه فيه , لكن باقي كلامه بأنه ساحر أو كاهن , أو في حاجة إلى النساء أو المال أو هذه المزاعم , فكان الرد عليها بأول سورة فصلت , وفي هذه السورة تحديد لطبيعته ورسالته حيث قيل:"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين"فصلت 6 وهكذا ترى السكوت أبلغ من الكلام في مقامه , وترى الكلام أبلغ من السكوت في مقامه.