وسلم بما هو فيه من الأمر , فيكره الرسول قطعه لكلامه , واهتمامه , وتظهر الكراهية في وجهه الذي لا يراه الرجل , فيعبس ويعرض , يعرض عن الرجل المفرد الفقير الذي يعطله عن الأمر الخطير الأمر الذي يرجو من ورائه لدعوته ولدينه الشيء الكثير ; والذي تدفعه إليه رغبته في نصرة دينه وإخلاصه لأمر دعوته وحبه لمصلحة الإسلام وحرصه على انتشاره , وهنا تتدخل السماء , تتدخل لتقول كلمة الفصل في هذا الأمر ; ولتضع معالم الطريق كله , ولتقرر الميزان الذي توزن فيه القيم بغض النظر عن جميع الملابسات والاعتبارات بما في ذلك اعتبار مصلحة الدعوة كما يراها البشر , بل كما يراها سيد البشر صلى الله عليه وسلم وهنا يجيء العتاب من الله العلي الأعلى لنبيه الكريم صاحب الخلق العظيم في أسلوب عنيف شديد , وللمرة الوحيدة في القرآن كله يقال للرسول الحبيب القريب"كلا"وهي كلمة ردع وزجر في الخطاب) وبعد هذا نرجع إلى السؤال: مالذي أراد رسول الله أن يوصله بإعراضه إلى ابن أم مكتوم , وغيره؟ لقد أراد أن يوصل عدة معان , منها: أن مراعاة المقام أمر مهم بين المتعلم وأستاذه , وهذا لموقف لم يكن المقام يسمح بعلم أو تعليم , فالمكان في عرض الطريق , وليس في المسجد , والزمان ليس زمان تعليم , فالمعروف أنه صلى الله عليه وسلم - كان يتعهدهم بالتعليم والإقراء عقب الصلوات , والحضور الذين يقف معهم هم رؤساء مكة , وهذا كله لا يتناسب مع سؤال ابن مكتوم فكان السكوت عن الإجابة , والإعراض رسالة مفادها: ليس الآن وقت تعليم , وإقراء. ورسالة أخرى تراها في سكوته وإعراضه صلى الله عليه وسلم , وهي تأليف قلوب هؤلاء بزيادة الاهتمام بهم حين يرونه قد أقبل عليهم , وتولى عن غيرهم , وهذه تعمل في النفوس عملها , وبخاصة النفوس المعاندة , العاصية. ورسالة ثالثة لكل داعية يدعو إلى الله على بصيرة , أن يولي أصحاب الرياسات مزيد اهتمام , لأن في إسلامهم إسلاما لأتباعهم وأشياعهم. تلك بعض الدلالات التي حملها سكوته , وإعراضه صلى الله عليه وسلم.
ومن دلالة السكوت على الغضب أيضا ما رواه أبو سعيد الخدري أن رجلا قدم من نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من ذهب , فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم يسأله عن شيء , فرجع الرجل إلى امرأته فحدثها , فقالت: إن لك شأنا , فارجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وألق الخاتم , فلما استأذن له , وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فرد عليه السلام , فقال يا رسول الله: أعرضت عني , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار , فقال يا رسول الله لقد جئت إذا بجمر كثير , وكان قد قدم علينا من البحرين , فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما جئت شيئا إلا ما حجارة الحرة ولكنه متاع الحياة الدنيا , فقال الرجل: اعذرني في أصحابك , لا يظنون أنك سخطت عليّ بشيء , فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذره وأخبر أن الذي كان منه إنما كان لخاتمه) وهذا الحوار الذي دار بين رسول الله , وبين الرجل ينطق بعدة دلالات تتخذ من السكوت والإعراض مرتكزا , فالبداية تحكي قدوم وفد من نجران إلى رسول الله , والمعلوم سلفا أن الوفود حين تأتي مسلمه تستقبل بالترحاب , والسؤال عن الذين لم يحضروا , ثم تزود بالقرآن , والعلوم الأساسية , كالعبادات , والحلال والحرام ... إلخ لكن هذا الرجل - مع أنه ذو شأن فوجئ بإعراض الرسول عنه , وعدم رد السلام عليه , وهذا السكوت والإعراض , فهم منه الرجل أن رسول الله ساخط عليه. فدلالة السخط لم تنشأ من كلام , وإنما نشأت من السكوت والإعراض , ولعل هذه الدلالة لها ما يؤيدها في القرآن الكريم , وذلك في بيان القرآن عن المرأة الناشز , ووسائل علاج هذا النشوز , الذي يبدأ بالعظة , ثم بالإعراض والهجر في