أو أنه يدرك الحسن والجمال لكن التعبير عنه لا يدرك إلا بالذوق فمن الحسن ما لا يمكن الإبانة عن أسبابه ومعالمه , إنما يعرف بالطبع والدربة وطول الملابسة.
ويرى أستاذي محمود توفيق - أعزه الله - أن (معالم الحسن في البيان درجات , منها ما يبلغ شأنًا لا تكاد الألسنة تقدر على الإفصاح عن سببه , لعلو قدره , وسمو شرفه , فهو مما يتبينه القلب , ولا يجد اللسان قدرة على الإيضاح عن تلك الدرجة من الحسن والجمال , أما ما دون ذلك فإنها غير مستعصية على التعليل والتبيين معًا , وأنت إذا ما كشفت أسباب كثير من درجات الحسن , وبقيت منه درجة لشرفها وسموها لا يطاق الإفصاح عنها , فليس ذلك من التذوق الانطباعي في شيء) [1]
المهم أن ابن طباطبا - رحمه الله - بنى فكره على تحليل القليل من الشعر, وترك الشعراء ليقفوا على مواطن الفصاحة والبلاغة في الباقي , لأن ذلك جزء من السليقة التي توجد عند كل واحد منهم , ولا يمكن أن يشار إلى كل شيء, وبخاصة أن مواطن الحسن والإبداع ظاهرة في كل بيت , مما يعني أنه كان يعمد إلى التحليل , وإبراز المطويات من المعاني فقط , أو هكذا كان يظن , لأن ما تركه دون تحليل أكثر بكثير مما حلله.
لكنك تلمح في كتاب عيار الشعر نمطًا آخر من التحليل , وهو التحليل المنهجي , أعني: أنه بنى الكتاب على فكرة الطباق , فإذا ذكر شيئا ذكر ضده بعده , وإذا استشهد بأبيات حسنة جميلة لطيفة , أتبعها بأبيات غثة رديئة , وهذا ضرب من التحليل المنهجي , وقد يضع ذلك في عنوان واحد , فيقول: الأشعار المحكمة وأضدادها , ثم يذكر الأبيات التي أغرق قائلوها في معانيها , ويردفها بالضد , وهي الأشعار المتقنة المحكمة المستوفاة المعاني , ويذكر الأشعار الغثة التي تصدئ الفهم ,وتورث الغم ,ثم يذكر بعدها الأشعار التي تجلو الهم وتشحذ الفهم.
وفي لفتة أخرى تراه يذكر التقابل في الأجزاء , فهذا شعر حسن اللفظ واهي المعنى ,وهذا شعر صحيح المعنى رث الصياغة ,وتلك أبيات زادت قريحة قائليها , وهذه أبيات قصرت عن الغايات , وهذا ردئ النسج ,وبعده شعر محكم النسج.
(1) -- نظرية النظم الجرجانية ص 9