الصفحة 16 من 103

ثم يعلق ابن طباطبا مرغبا في مثلها, فيقول: (فانظر إلى استواء هذا الكلام, وسهولة مخرجه , وتمام معانيه , وصدق الحكاية فيه , ووقوع كل كلمة موقعها الذي أريدت له من غير حشد مجتلب , ولا خلل شائن , وتأمل لطف الأعشى فيما حكاه واختصره في قوله: أأقتل ابنك صبرا أو تجيء بها إلخ

فأضمر ضمير الهاء في قوله: (واختار أدرعه ألا يسب بها) فتلافى ذلك الخلل بهذا الشرح , فاستغنى سامع هذه الأبيات عن استماع القصة فيها, ولاشتمالها على الخبر كله بأوجز كلام , وأبلغ حكاية , وأحسن تأليف , وألطف إيماءة) [1]

وإذا كانت نظرية النظم هي الممثل الأعلى للفكر البلاغي العربي في شعر العربية , فإن أساسها تحليل الشعر وتذوقه , فالتحليل والتذوق هما السبيل إلى كشف كثير من دقائق البلاغة في شعر العربية.

وابن طباطبا وهو يحلل النص يعمد إلى مكامن الدر فيه , وأمارات الحسن , أي أنه يعمد إلى أدبية النص , أو شعرية النص , أو بلغة الأئمة الكبار يعمد إلى الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة.

ولقد كان مخزون ابن طباطبا الشعري الوافر رافدا يستطيع من خلاله أن يوازن , وأن يضع اليد على مصادر الضوء داخل النص , لكنه كان كثيرا ما يذكر الأبيات ثم يمضي دون تعليق , وليس ذلك إلا لأنه يدرك أن السامع يعي ما يعيه هو , ويرى ما يراه من حسن , ويعلم خيوط البديع وتداخلها.

من ذلك ما فعله في حسن الابتداء في قول الشاعر:

(لعمرك ما الناس أثنوا عليك ... ولا مدحوك ولا عظموا

ولو أنهم وجدوا مسلكا ... إلى أن يعيبوك ما أحجموا [2]

يقول: فقدم معنى ما ساق إليه الابتداء فقال في تمامه:

ولكن صبرت لما ألزموك ... وجدت بما لم يكن يلزم

وأنت بفضلك ألجأتهم ... إلى أن يقولوا وأن يعظموا) [3]

(1) -- عيار الشعر / 49

(2) = شعر لخلف بن خليفة الأقطع وانظر عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري 1/ 337

(3) = عيار الشعر ص 27

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت