تلك عاداتهم , والواجب على الشعراء - كما يقول ابن طباطبا - أن يعرفوا سنتهم , وعاداتهم ليفهموا ما قالوه , إذا التبس عليهم شيء , ولينهجوا نهجهم (لأن هذه الأشياء لا تفهم معانيها إلا سماعا , وربما كانت لها نظائر في أشعار المحدثين من وصف أشياء تعرض في حالات غامضة , إذا لم تكن المعرفة بها متقدمة عسر استنباط معانيها , واستبرد المسموع منها ,) [1]
ذلك ما يسعى إليه ابن طباطبا , لقد أراد تطويع الذائقة الحديثة , والعقلية الحديثة لما جاء عن العرب الأقدمين , حتى تظل حجة الله ومعجزته البيانية قائمة أبد الدهر (تُعرف في كل زمان , ويتوصل إليها في كل أوان , ويكون سبيلها سبيل سائر العلوم التي يرويها الخلف عن السلف , ويأثرها الثاني عن الأول) [2]
(ولا يدرك هذه الحجة الباهرة إلا من علم الشعر - الجاهلي - وعرف بأي شيء يفضل بعضه بعضا , وكيف ترتقى مراقيه , حتى تصل إلى الغاية التي لا يجوز لبشر أن يتجاوزها) [3]
ومن هنا تتسرب الذائقة القديمة إلى طباع المحدثين لينسجوا نسجهم , ويصوغوا صوغهم , ويبنوا الكلام كما كانوا يبنون , ولن يتم ذلك إلا بمعرفة عاداتهم , وتقاليدهم , وخصوصياتهم , ومعتقداتهم.
وهكذا تنتقل الفصاحة من جيل إلى جيل , ولذلك تراه يسترسل في ذكر أشعارهم , ويصفها بالبدائع , والمعاني اللطيفة الدقيقة , ثم يقول (وهذه الأشعار تجب روايتها , والتكثر لحفظها) [4]
وليس معنى هذا أن ننقل عنهم القبيح والمستكره , والذي عابوه , ووصفوه بالنافر والبعيد , لا , ليس هذا مقصود ابن طباطبا.
إنه يرمي إلى نقل الطبع الصحيح , ويقصد إلى الذوق السليم , سواء في الشعر , أو في النثر , فأشعار العرب ونثرهم صادر عن طبع صحيح , وسبيلهم في النظم سبيلهم في النثر , ولا مشقة عليهم في هذا ولا ذاك , فإذا وردت أبيات مستكرهة الألفاظ , متفاوتة النسج , قبيحة العبارة , التوت معانيها على أصحابها , وتعقدت
(1) -- عيار الشعر / 44
(2) -- دلائل الإعجاز / 9
(3) -- مراجعات في الدرس البلاغي / 186
(4) -- عيار الشعر / 69