يغترف الشعراء من هذه الينابيع الصافية , ولم يرجعوا إلى معدن الحسن جاؤوا بتهويمات , وأشكال فارغة خالية من حقائق البلاغة , وأصول حركة اللسان , فلابد أن تطبع الذائقة بطابع العرب , ولا بد أن يلهج اللسان بقواعد العرب , وإذا استطاع الشعراء المحدثون أن يطبعوا قلوبهم , وألسنتهم بالطابع العربي فلن يقولوا شعرا جيدا فقط , ولن ينطقوا بالفصاحة والبلاغة فقط , وإنما يكونون قد نقلوا إلى قلوبهم وعقولهم علم العرب , وثقافة العرب , وتجاربهم وتاريخهم , وأفراحهم وأحزانهم , وكل مايدخل تحت كلمة معرفة عربية , لأن هذا كله أودعته العرب في شعرها , ولقد حكى ابن طباطبا نموذجا لهذا الفكر حين ذكر (عن خالد بن عبد الله القسري [1] أنه قال: حفظني أبي ألف خطبة , ثم قال لي: تناسها , فتناسيتها , فلما أرد بعد ذلك شيئا من الكلام إلا سهل عليّ .... - ويعلق ابن طباطبا على ذلك بقوله: فكان حفظه لتلك الخطب رياضة لفهمه , وتهذيبا لطبعه , وتلقيحا لذهنه , ومادة لفصاحته , وسببا لبلاغته , ولسنه , وخطابته) [2]
كما أن للعرب عادات وتقاليد قد تغمض على الشعراء المحدثين , ولا تُفهم معانيها إلا سماعا منهم , ولهم موروثات أثبتتها الليالي والأيام في نفوسهم حتى صارت عقائد , حتى وإن أنكرها العقل(كزعمهم أن من علق على نفسه كعب أرنب لم تقربه الجن , وفي ذلك يقول الشاعر [3] :
ولا ينفع التعشير إن حم واقع ... ولا دعدع يغني , ولا كعب أرنب
قال ابن الأعرابي: قلت لزيد بن كسوة: من علق على نفسه كعب أرنب لم تقربه جنات الحمى , وعمار الدار؟
فقال إي والله , وشيطان الحماط , وجان العشيرة , وغول الفقر , وكل الخوافي إي والله , وتطفأ عنه نيران السعالي وتبوخ) [4]
(1) = هو خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز البجلي ثم القسري، وكان يزيد بن أسد جده وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم ونزل بالشام ثم اشترى خالد بن عبد الله، لما ولي العراق خططا بالكوفة وابتنى بها وله بها عقب وعدد وانظر المعارف لابن قتيبة الدينوري 1/ 92
(2) -- عيار الشعر / 16
(3) = لم أقف على قائله.
(4) -- عيار الشعر / 43 والتعشير صوت يشبه صوت الحمار , وكان إذا دخل أحدهم القرية خاف من الجن , أو من وباء الحاضرة أشد الخوف , إلا أن يقف على باب القرية فيعشر , والدعدع: كلمة تقال عند العشار , انظر في هذا المعاني الكبير / ابن قتيبة 1/ 64