فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 43

الخاتمة

بعد هذا المعترك الفقهي في مسألة تولية المرأة القضاء يتضح لي - والله أعلم - أن كل فريق من الفقهاء لا يعتمد في إثبات رجحان قوله على دليل قطعي الثبوت والدلالة، وأن كل رأي إنما هو قائم على أساس من الاجتهاد, فالمسألة ليست إلا اجتهادية لا نص صريح فيها يمنع ويمنح [1] , ويمكنني في ضوء ذلك أن أستخلص ما يلي:

(أ) أن الإسلام قد اعترف بمساواة المرأة للرجل في الإنسانية, والأهلية, والكرامة الاجتماعية، وأنها لا تقل عن الرجل في العلم, والإدراك, ورجاحة العقل, والقدرة على التمييز, والفكر الصائب، ولو تتبعنا سير النساء عبر التاريخ لوجدنا كثيرًا من النساء تفوقن في الفقه, والحديث, والإفتاء, والرواية.

(ب) أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما استثني، تلك هي البراءة الأصلية, وهي أن كل من يتأتى من الفصل بين الناس, فحكمه جائز إلا ما خصصه الإجماع، والإجماع يستثني في المرأة الإمامة العظمى، والاستثناء معيار العموم؟

(ج) عدم وجود دليل صريح صحيح يمنع المرأة من تولية المرأة القضاء، وقد أجازه ابن حزم مع ظاهريته, وهذا يدل على عدم وجود دليل شرعي صريح يمنع من توليتها القضاء, وإلا لتمسك به ابن حزم، وجمد عليه, وقاتل دونه كعادته؛ لذلك تبقى على حكم الأصل, وهو البراءة الأصلية.

(د) أما الاستناد إلى قول الله ـ تعالى ـ: (الرجال قوامون على النساء) على عدم جواز تولية المرأة القضاء, وإلا انقلب الوضع, وأصبحت النساء قوامات على الرجال، فهذا الاستدلال غير ناهض؛ لأن عدد النساء اللاتي يتقدمن لهذا المنصب محدود, وسيظل الأكثرية للرجال، وهذه الأكثرية هي التي تملك القرار, وهي التي تحل, وتعقد, فلا مجال للقول بأن تولية المرأة القضاء سيجعل الولاية للنساء على الرجال! ويؤيد هذا: أن القضاء اليوم لا ينفرد باتخاذ القرار فيه قاض واحد كما كان من قبل, ولكنه مجلس يضم أكثر من قاض, والحكم فيه أن لم يكن إجماعًا, فبالأغلبية فالمرأة إذن ليست مستقلة في هذا الشأن, ولكنها ضمن فريق عمل، فضلًا على أن الآية التي ذكرت قوامة الرجال على النساء إنما قررت ذلك في الحياة الزوجية, فالرجل هو رب الأسرة, وهو المسئول عنها.

(و) أما الاستدلال بحديث: «لن يفلح قوم ولوا أمورهم امرأة» إنما يعني: الولاية العامة على الأمة كلها, أي: رئاسة الدولة كما تدل عليه كلمة أمرهم, فإنها تعني: قيادتهم, ورياستهم العامة، أي: بعض الأمر, فلا مانع

(1) أعلن فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر: أنه لا يوجد مانع من الناحية الشرعية يحول دون تولي المرأة منصب القاضي مؤكدًا أنه لا يوجد نص قطعي من الكتاب أو السنة الشريفة يرفض أن تكون المرأة قاضية، وقال: إن اقتحام المرأة لمنصب القضاء سوف يخدم قضايا الأسرة خاصة في مصر؛ حيث سيتم إنشاء محكمة خاصة بها موضحًا أن عمل المرأة بالقضاء يحتاج فقط إلى مراعاة الملائمة, وهي من اختصاص مجلس القضاء الأعلى. جريدة الخليج بتاريخ 4/ 2/2003.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت