وقد أجيب عن هذا الوجه: بأنه لم يقل أحد من أن ابن أبي مريم ادعى النقل المباشر عن ابن القاسم, وإنما هو على عادة أهل العلم في تقريراتهم؛ إذ يقولون: قال فلان كذا, وفلان كذا دون لقي ولا معاصرة, ودون ذكر سند أيضًا اعتمادًا على وجود ذلك في الكتب المعتمدة، وإلا فكم بين الدسوقي والإمام مالك وابن القاسم وأصحابهما, وقدماء المالكية عمومًا؟ فهل إذا نقل الدسوقي عن أحد هؤلاء نرد نقله للانقطاع المذكور، كلا بل نحن نقبل رواية كتب المذهب عن رجاله, ولا يسعنا إلا هذا، وإلا بطل الفقه المنقول كله أو كاد, وهذا ما لا يسع أحد إنكاره [1] .
الوجه الثاني: هو ضعف الرواية؛ لأن الروايات القوية عن ابن القاسم هي التي يرويها سحنون عنه في «المدونة» ، ولم يعثر على هذه الرواية في «المدونة» [2] .
وقد أجيب عن ذلك: بعدم التسليم بأن هذه الرواية ضعيفة؛ لأنه ليس من الضروري أن تكون هذه الرواية في «المدونة» ؛ لكي نعتمدها، فكتب المالكية جميعًا، ومنها «الشرح الكبير» ، و «مواهب الجليل» وغيرها من كتب المذهب المالكي معتمدة وصحيحة، ويكفي أن نقف على رأي لابن القاسم أو غيره من فقهاء المذهب في أحد هذه الكتب, ونأخذ به, ونعتمده سواء رواه عنه سحنون أم غيره [3] .
ثانيًا: من ناحية الموضوع فمن وجهين أيضًا:
الأول: فمن المستبعد أن يخرق ابن القاسم إجماع من سبقه من الفقهاء على القول بعدم جواز تولية المرأة القضاء كما أنه لا يستساغ أن يكون من أصول مذهبه بناء الأحكام على قاعدة سد الذرائع ثم يرى جواز توليتها القضاء، الأمر الذي يستدعي خروجها, واختلاطها بالناس, والخصوم مما يؤدي إلى الافتتان بها [4] .
وقد أجيب عن ذلك: بأن هذا النوع من ذرائع الفساد ملغي بإجماع العلماء من المالكية, وغيرهم؛ لأن المفسدة فيه مرجوحة, والمصلحة راجحة كالنظر إلى المرأة عند الشهادة عليها, والتعامل معها، وزراعة العنب الذي تتخذ منه الخمر، والشركة في سكنى الدار, وغير ذلك.
الوجه الثاني: من الاعتراض, فهو أن ابن القاسم كان مجتهدًا في المذهب [5] , وليس مجتهدًا مطلقًا [6] .
وقد أجيب عن ذلك: بأن الشأن في مجتهد المذهب أن يقف في حدوده, وغاية ما يستطيعه ترجيح قول في المذهب على قول وفقًا لأصول المذاهب، ولو كان ابن القاسم كذلك ما تفرد بهذا الرأي الذي نحن بصدده من بين المالكية، هذا والمشهور أن المالكية في الحقيقة قاسمية [7] .
(1) القضاء في الإسلام: الشيخ إبراهيم عبد الحميد ص: 23.
(2) القضاء في الإسلام: للشيخ عبد العال عطوة ص: 14 - الضوء اللآلاء: ص: 49.
(3) محاضرات في الفقه المقارن: ص:83.
(4) القضاء في الإسلام: فضيلة الشيخ عبدالعال عطوة ص 14 - الضوء اللآلاء: ص:49.
(5) مجتهدوا المذاهب: هم القادرون على استخراج الأحكام من الأدلة على حسب القواعد التي قررها أئمتهم فإنهم- وإن خالفوا في أحكام الفروع- يقلدونهم في قواعد الأصول كأبي يوسف ومحمد من الحنفية, وأشهب من المالكية, والمزني من الشافعية, وغيرهم (تاريخ التشريع الإسلامي: لفضيلة الشيخ تاج السايس ص: 243) .
(6) الضوء اللآلاء: ص: 49.
(7) القضاء في الإسلام: الشيخ إبراهيم عبد الحميد ص: 23، 24.