أما من الناحية الموضوعية, فإن هذا القول مخالف للسنة والإجماع.
أما السنة: فهو حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» ، وأما الإجماع: إذ إن هذا القول مخالف لإجماع من سبق ابن جرير من العلماء على عدم جواز تولية المرأة القضاء؛ إذ ليس له سلف من الفقهاء يقول بجواز تولية المرأة القضاء، والقول إذا خالف الإجماع, ولم يكن صاحبه في عصر المجمعين, فإنه يكون قولًا مردودًا غير معتبر بإجماع الأصوليين والفقهاء، وفي ذلك يقول الماوردي: إن قول ابن جرير من الشذوذ ومخالفة الإجماع بحيث لا يلتفت إليه، ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قول الله ـ تعالى ـ: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) [1] يعني: في القول, والرأي, فلم يجز أن يقمن على الرجال [2] .
أجيب عن ذلك من وجهين:
الأول: أما الاستناد لحديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» , فغير ناهض؛ لأن الحديث ورد في شأن الولاية العظمى لا القضاء.
الثاني: أن الإجماع الذي يدعيه الماوردي استنادًا إلى هذه الآية ليس في موضوع النزاع؛ لأن القوامة في هذه الآية المقصود بها الولاية الأسرية, وهي قوامة رب الأسرة عليها، وعلى هذا, فلا يصح أن يستند إلى هذا الدليل الموضوعي [3] .
مناقشة ما نسب إلى ابن القاسم:
نقل الحطاب عن ابن أبي مريم عن ابن القاسم صاحب الإمام مالك, وتلميذه: جواز ولاية المرأة القضاء، قال ابن عرفة: قال ابن زقون: أظنه فيما تجوز شهادتها, قال ابن عبد السلام: لا حاجة لهذا التأويل لاحتمال أن يكون ابن القاسم قال: كقول الحسن البصري بإجازة ولايتها القضاء مطلقًا, قال الحطاب: قلت: الأظهر قول ابن زقون [4] .
وهذا النقل جواز تولية المرأة القضاء عن ابن القاسم مستبعد من ناحية السند، والموضوع.
أولًا: من ناحية السند من وجهين:
أحدهما: فإنه تستبعد صحة هذه الرواية عن ابن القاسم؛ لأن هناك انقطاعًا بين ابن أبي مريم, وابن القاسم، فقد توفي ابن أبي مريم في منتصف القرن الحادي عشر الهجري بينما توفي ابن القاسم في أواخر القرن الثاني الهجري [5] .
(1) سورة النساء: 34.
(2) الأحكام السلطانية: للماوردي ص: 72، 61، سلطة القاضي في الفقه الإسلامي: ص: 70.
(3) محاضرات في الفقه المقارن: ص: 81.
(4) مواهب الجليل: للحطاب 6/ 87، 88.
(5) الضوء الآلاء: ص: 48.