الوجه الأول: أن الاستدلال باستصحاب العكس أو بالاستصحاب المقلوب محل خلاف بين أهل العلم، والقائلون به وهم الشافعية لم يقولوا به إلا في مسألة واحدة، قال السبكي (22) "ولم يقل به الأصحاب إلا في مسألة واحدة ، وهو ما إذا اشترى شيئًا فادعاه مدع وانتزعه منه بحجة مطلقة فإنهم أطبقوا على ثبوت الرجوع على البائع ، بل لو باع المشتري أو وهب وانتزع من المشترى منه أو الموهوب له كان للمشتري الأول الرجوع أيضًا فهذا استصحاب الحال في الماضي" (23)
واعترض عليه العراقي (24) فقال"وعدم الرجوع وجه مشهور؛ وكان شيخنا الإمام البلقيني (25) يرجحه ، ويقول: إنه الصواب المتعين والمذهب الذي لا يجوز غيره"وأطال ـ العراقي ـ في إظهار أن نصوص الشافعية على خلاف ما قاله السبكي ، وقال أيضًا في رده على السبكي:"إن ظواهر نصوص الشافعي وكلام الأصحاب يبطله" (26)
وقال ابن دقيق العيد عن الاستدلال باستصحاب الحاضر في الماضي:"وهذا وإن كان طريقًا ، كما ذكرنا ، إلا انه طريق جدل لا جلد ، والجدل طريق في التحقيق سالك على مَحجّ مُضيّق ، وإنما تضعف هذه الطريقة إذا ظهر لنا تغير الوضع ، فأما إذا استوى الأمران فلا بأس" (27)
قال الزركشي (28) "وأما الفقهاء فظاهر قولهم إن الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن منافاة هذا القسم . (29) "
الوجه الثاني: لا نسلم أن هذه المسألة مندرجة تحت استصحاب العكس ، أو الاستصحاب المقلوب، وذلك أن موضع الرمي معلوم ، ولكن مساحته غير محددة لا في زمن النبي _صلى الله عليه وسلم_ وصحابته ولا بعد ذلك، والجدار الموجود على الحوض محدث بعد عام ألف ومئتين واثنين وتسعين 1292هـ ـ كما سبق ـ فأين الحدود والمساحة الثابتة في هذا العصر حتى يقال باستصحاب العكس ، ولو وجدت حدود فمن الذي يجزم بأنها من عصر النبي _صلى الله عليه وسلم_ وأنها لم تتغير إلى الآن، علمًا بأن الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن، لا أن يقال بتقدمه بدون دليل.