الصفحة 10 من 40

السارقين والحاقدين والقساة والمتحيزين. لهذا لقى يوربيديس هجوما شديدا من مفكرى الأرستقراطية وفنانيها المحافظين، ورفض عصره كثيرا من آرائه، وإن كان في منحه جوائزه الفنية أحيانا، ولم يشر أرسطو في تناوله لمآسى هذا الشاعر إلى أية إدانة أو إتهام له، وإنما أخذ على بعض أعماله الضعف في البناء نتيجة الوقوع في مزلق فنى محدد، وهو خفوت الحركة لصالح الحكى الأبيسوى والملحمى.

أما سوفوكليس فقد كان يحظى بتقدير عميق من معاصريه فهو الذى مجد تراثهم الدينى والبطولى والأسطورى، وهو الذى دافع عن معتقداتهم، وأعرافهم الاجتماعية والأخلاقية فمآسى سوفوكليس"تمثيل"للمثل الأعلى اليونانى في القرن الخامس قبل الميلاد، ومع ذلك فإن الموقف الأرسطى من سوفوكليس لم يكن أخلاقيا، بل كان موقفا فنيا في مجمله، فإن وقفات أرسطو عند مآسى هذا الشاعر، وهى وقفات طويلة وكثيرة في كتاب فن الشعر كانت عند الجوانب التعبيرية وطرائق الأداء الفنى في تلك المآسى، وليس معنى هذا أن أرسطو قدم التكنيك بشكل مطلق على المضمون الخلقى والاجتماعى، ولكن معناه أنه اعتمد الدلالة الخلقية في صورة تعبير الفن عنها. إن"الحقيقة"النفسية والأخلاقية والاجتماعية مهمة لديه، ولكنه يلفت النظر دائما إلى اختلاف صورة التعبير عن هذه الحقيقة في الفن عنها في أى نشاط إنسانى آخر، لذا فإنه يفرق بين سبيل الفن وسبل وجوه النشاط الإنسانى المختلفة، بل هو يفرق بين سبيل كل فن وغيره من الفنون. (36: 60)

وعلى الرغم من أن أرسطو أكثر ميلا- في منهجه- إلى المادية فإنه بصورة عامة مثالى موضوعى كأستاذه أفلاطون، وقد رأينا أن هذه المثالية الموضوعية تلح على جانب واحد من جوانب الدرس الفنى، وهو جانب أثر الفن في المتلقى، أى أنها تلح على الوظيفة الاجتماعية للفن لكن هذه المثالية تضع لوظيفة الفن الاجتماعية"مبادئ أزلية"عند أفلاطون، وتبحثها صوريا عن أرسطو، والأمران معا ينكران التغير. (26: 99 - 100)

إن"المطلق"فى القيمة، و"الصورية"فى العلاقة أمران متلازمان في الموقف الكلاسيكى، وهو الموقف الذى يصوغ - في الفكر الأدبى- العلاقات الاجتماعية العبودية والإقطاعية بصورة عامة، يفضى الأمر الأول إلى فرض قيم مسبقة على الفن، ويفضى الأمر الثانى إلى سيادة المناهج الشكلية والفقهية والبلاغية.

لقد اتسم الفكر الأدبى بكثير من الحيوية عندما بدأت العلاقات الاقطاعية وابنيتها الثقافية الغيبية تتقوض زمن النهضة الأوروبية، وتعد هذه النهضة- تستغرق لدى كثير من المؤرخين خمسة قرون: من الثالث عشر إلى الثامن عشر الميلاديين- الانتقالة الكبرى بين المجتمع الاقطاعى والمجتمع الرأسمالى البرجوازى الحديث، في هذه الانتقالة تمرد الفكر على اللاهوت، وأعلى من شأن العقل، وعاد كثير من المفكرين إلى أرسطو والآثار الفكرية اليونانية، وقامت حركة نقدية وفنية قوية هى ما اصطلح على تسميته في التاريخ الأدبى الكلاسيكية الجديدة، مثلها الأعلى الفكر والفن اليونانيين، وتعاليمها النظرية تكاد تنحصر في دراسة تراث أرسطو، وتوجيه الشعراء والكتاب إلى احتذاء الأعمال اليونانية واستلهامها، وبعد هذه الانتقالة انتهت العلاقات الإقطاعية التقليدية، ونضجت العلاقات الرأسمالية وتخلق المجتمع البرجوازى، وتكونت له ثقافته الحديثة علما، وفكرا، وأدبا.

إن الموقف الكلاسيكى هو المفسر لعلاقة الإنسان بعالمه في ظل علاقات اجتماعية محددة هى العلاقات العبودية والإقطاعية، وكل نزوع كلاسيكى هو في حقيقة أمره تثبيت لتلك العلاقات أو دعوة إلى الرجوع إليها. لقد كان الكلاسيكيون يعدون الفعل أهم ملكات الإنسان، وكانوا يحاصرون الخيال ويخشون شطحاته وغلوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت