وليس من قبيل المصادفة -ولا مكان للمصادفة والعبثية في هذا الكون- أن يطلق مصطلح السنة، التي تعني الطريقة المطردة والقانون الناظم الذي يحكم الحياة والأحياء، على ما ورد عن الرسول صلى الله عليه و سلم من قول أوفعل أو تقرير، فالسنة منهج حياة كامل.. لذلك فإن فقه تقويم الحاضر بقيم الدين في ضوء الظروف المحيطة والإمكانات المتاحة يتطلب إدراك السنة أوالمنهج السنني، فلكل شيء سنة، ومن ثم القدرة على وضع الحاضر في موقعه المناسب من مسيرة السنة (السيرة النبوية) للاهتداء إلى كيفية التعامل معه في ضوء هدايات الوحي.
وهذا الإدراك المطلوب لفضاء مصطلح الفقه هو الذي يعيد للحياة انسجامها وتوازنها وضبط نسبها، وللمعرفة تكاملها، ولمعرفة الوحي مكانتها في هداية العقل، ويعيد الوئام بين الدين والعلم، ويحول دون الانشطار الثقافي والمعرفي بين العلم الديني والعلم المدني.
هذا الانشطار الثقافي أوالتعليمي أوالمعرفي -إن صح التعبير- هو الذي حوّل الأوهام والظنون والخيالات وردود الفعل في بعض صور التدين إلى حقائق، فحاصر العقل وعطله، باسم الانتصار للوحي أولمعرفة الوحي، دون إدراك أن العقل مناط التكليف ووسيلة فهم الوحي، وآلية الوحي في الاجتهاد والامتداد والتنزيل.. وهو الذي أخرج معرفة الوحي اليقينية المعصومة بالمقابل من دائرة العلم، فأدى ذلك إلى ضلال العقل وتعطيل عطاء الوحي.
لذلك نرى أن من أبجديات الفقه والاجتهاد إيقاظ العقل مناط التكليف والنظر، واسترداد عقلية الاجتهاد، والتحقق بفقه الوحي وضوابطه، وإدراك مكانته وموقعه من العقل بدقة.