وثانيهما: مرحلة الانقسامات طبقا لمفاعلات خارجية. تؤكد دائما أدبيات التكامل والاندماج المجتمعي والوطني على أن الانقسامات الاجتماعية الطبيعية مثل الانقسامات القبلية والإقليمية واللغوية والثقافية والطبقية لا تشكل تهديدا للمجتمع؛ طالما ظلت دون تفعيل في وعي الجماعة، وطالما لم يتطابق محوران للانقسام معا؛ فالانقسام الإقليمي مثلا ما لم يمتزج معه نوع آخر من الانقسامات مثل اللغة أو الدين أو الوضع الاقتصادي لا يمثل تهديدا لتكامل المجتمع واندماج مكونات الأمة.فوجود مجموعة من دين معين في داخل مجتمع من دين آخر لا يمثل تهديدا لتكامل المجتمع في ذاته، وإنما يظهر التهديد عندما تصبح هذه المجموعة ذات لغة مستقلة أيضا، أو تصبح مضطهدة سياسيا أو فقيرة اقتصاديا أو معزولة إقليميا. ولذلك ظلت الانقسامات الطبيعية في الوطن العربي دون تفعيل ودون تأثير حتى النصف الثاني من حياة الدولة العثمانية في طور انحدارها وتدهورها سياسيا وحضاريا، حيث بدأت تتطابق الانقسامات وبدأ يتم التعامل مع العرب كلهم كموضوع للحكم وطرف أدنى، كما بدأ التعامل مع بعض الطوائف العربية كأقليات مورس ضدها نوع من الظلم أو تم تغذية شعورها بأنها مخالفة أو أنها جزء خارج المجتمع أو أن لها وضعا سياسيا خاصا... إلخ. كل تلك السياسات أدت إلى تفجير الشعور الطائفي.ثم جاءت مرحلة النفوذ الأجنبي وادعاء الدول الأوربية -الطامعة في ممتلكات الرجل المريض- أنها حامية لأقليات مسيحية في الشرق العربي، ثم كان الاستعمار والتقسيم وتغذية عوامل وعناصر التفرق وتضخيمها ودفعها لتحتل مقدمة الوعي الثقافي العربي. وكانت ذروة المشكلة في حلولها، سواء الحلول القومية التي بذرت النزعة الذاتية لدى الكيان العربي ضد الدولة العثمانية ولم تستطع أن توقف نمو الشعور القومي بمعانيه الذاتية الخصوصية الضيقة عند حدود العرب، بل نما هذا الشعور وتطور داخل مكونات الأمة العربية، وبدأت تثار قضايا