الصفحة 13 من 45

فكيف السبيل إلى التوفيق إذن بين ما أقره ابن عاشور من الأحاديث النبوية الصحيحة ونهي أبي بكر - عن القول في القرآن برأيه، وأنه في نفس الوقت يعتمد التفسير بالرأي حسب وجهة نظره (1) [14] ؟

الجواب أن تعريفه للتفسير بالرأي ليس كما اعتمده المحققون وكما أشرتُ سابقا، وأرجعَ الشبه التي نشأت من الآثار المروية في التحذير من التفسير بالرأي إلى خمسة وجوه:

1 -1 - ..."أن المراد بالرأي هو القول عن مجرد خاطر دون استناد إلى نظر في أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها، وما لابد منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول"، (2) [15] ولم يفت الشيخ ابن عاشور التعليق على قولة أبي بكر الصديق - (3) [16] ، فقال:"فذلك من الورع خشية الوقوع في الخطأ في كل ما لم يقم له فيه دليل أو في مواضع لم تدع الحاجة إلى التفسير فيها"، وكذلك فيما ذهب إليه الشعبي وسعيد بن المسيب من إحجامهما عن ذلك أضاف ابن عاشور"مبالغة في الورع ودفعا للاحتمال الضعيف".

وتأتي اجتهادات ابن عاشور في هذا السياق التفسيري من باب بذل الوسع مع ظن الإصابة.

2 -2 - ... أن لا يتدبر المفسر القرآن حق تدبره، فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأي دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير مقتصرا على بعض الأدلة دون بعض وهو من الرأي المذموم لفساده.

3 -3 - ... أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرآن على وفق رأيه ويصرفه عن المراد ويرغمه على تحمله ما لا يساعد عليه المعنى المتعارف.

4 -4 - ... أن يفسر القرآن برأي مستند إلى ما يقتضيه اللفظ ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره.

5 -5 - ... أن يكون القصد من التحذير - من التفسير بالرأي - أخذ الحيطة في التدبر والتأويل ونبذ التسرع إلى ذلك، ويضيف ابن عاشور"والحق أن الله ما كلفنا في غير أصول الاعتقاد بأكثر من حصول الظن المستند إلى الأدلة، والأدلة متنوعة على حسب أنواع المستنَد فيه".

ثم في الرد على من قالوا بأن لا يعدو التفسير أن يكون إلا بما هو مأثور، أرجع ذلك إلى المراد بالمأثور عمن يؤثر، فإن كان المأثور ما روى النبي - من تفسير بعض الآيات - إن كان مرويا بسند مقبول من صحيح أو حسن - فقد ضيقوا سعة معاني القرآن وينابيع ما يستنبط من علومه، وأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يقصروا أنفسهم على أن يرووا ما بلغهم من تفسير عن النبي -. وإن كان المأثور ما روي عن النبي - والصحابة - خاصة، لم يتسع ذلك المضيق إلا قليلا. وإن كان المأثور ما كان مرويا قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت