تفسير سورة الملك > الآية الخامسة
"وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ"الأية: 5
*** انتقل من دلائل انتفاء الخلل عن خلقه السماوات إلى بيان ما في إحدى السماوات من إتقان الصنع فهو مما شمله عموم الإتقان في خلق السماوات السبع وذكره بعض أفراد العام كذكر المثال بعد القاعدة الكلية فدقائق السماء الدنيا أوضح دلالة على إتقان الصنع لكنها نصب أعين المخاطبين ولأن من بعضها يحصل تخلص إلى التحذير من حيل الشياطين وسوء عواقب أتباعهم .
*** قال في التحرير: وتأكيد الخبر ب ( قد ) لأنه إلى أنه نتيجة الاستفهام التقريري المؤكد ب ( هل ) أخت ( قد ) في الاستفهام .
***"السماء الدنيا":
هي السماء الأولى و سميت كذلك لأنه أقرب ما يكون للأرض من السموات فالدنو أمر نسبي و الله أعلم و سيأتي في كلام الدكتور النجار تعريف السماء و التعليق عليه.
***"بمصابيح":
أي بنجوم مضيئة كالمصابيح والمصابيح السرج سميت بها الكواكب قال تعالى:"إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب"، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح ، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بمصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة .
وسميت النجوم هنا مصابيح على التشبيه على حسن المنظر فهو تشبيه بليغ وذكر التزيين إدماج للامتنان في أثناء الاستدلال أي زيناها لكم مثل الامتنان في قوله ( ولكم فيها جمال ) في سورة النحل .
والمقصد: التخلص إلى ذكر رجم الشياطين ليتخلص منه إلى وعيدهم ووعيد متبعيهم .
وعدل عن تعريف ( مصابيح ) باللام إلى تنكيره لما يفيده التنكير من التعظيم.
و المصابيح هنا هي ما يتراءى في السماء من النجوم و الكواكب.
*** يقول أحد الأفاضل و هو مهندس مسلم:
وهنا يتجلى قول الله تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ) [الحجر: 16-17] . فهذه الآيات العظيمة تتطابق بشكل مذهل مع الحقائق العلمية، فالسماء تبدو لنا بواسطة المراصد العملاقة بألوان زاهية وكأن المجرات تزينها! والسماء تحوي بروجًا كونية مثل النسيج الكوني الذي يزين السماء وهو عبارة عن بلايين المجرات التي تصطف وفق مشهد مهيب وبديع يشهد على عظمة الخالق تبارك وتعالى. وقد حفظ الله هذه السماء بواسطة ملاين الشهب التي تصطدم يوميًا مع غلاف الأرض (سماء الأرض) وتحترق وتحرق معها الشياطين الذين يحاولون الصعود خارج الأرض.
*** قال سبحانه"ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت"فآثار اسمه الرحمن تظهر في خلقه فهنا منة و رحمة بأهل الدنيا بأن زين لهم دارهم التي هي الدنيا بل في كل يوم تجد السماء ترسم فيها لوحات من أعظم ما يكون في الإبداع و الجمال و لا يزال منظر الشروق و الغروب ملهما للشعراء و الأدباء.
فالله الرحيم الكريم أحكم خلقه و أتقنه و رحم عباده فلم يعطهم و ييسر لهم فقط ما يتم به معاشهم بل ما يزين دنياهم و ليس فقط ما يزين حياتهم بل ما يزين الأرض التي يحيون عليها و هذا مظهر واحد مما لا يحصى من مظاهر رحمته التي قلما ينتبه إليها.
*** هذا خلق الله و هذا ملكه خلق الموت و الحياة و السماوات سبع طباقا و زينهم بالكواكب سبحان الله ما أتمها من زينة و أروعها
و إذا كانت هذه زينته لسماء الدنيا التي لا تساوى عنده جناح بعوضة فكيف بثوابه و جنته و كرامته لأولياءه؟
يقول الله سبحانه في الحديث القدسي:"يا عبادي ! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي ! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي ! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي ! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر"
و قال صلى الله عليه و سلم:"لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا و ما فيها و لقاب قوس أحدكم أو موضع قده في الجنة خير من الدنيا و ما فيها و لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا و لأضاءت ما بينهما و لنصيفها على رأسها خير من الدنيا و ما فيها"صححه الألباني .
فتأمل كيف زينها الله حتى أن حجابها خير من الدنيا و ما فيها.
و قال صلى الله عليه و سلم:"الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون"صححه الألباني .
فهذه خيمة فما بالك بالقصور.
و قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا فَيَقُولُ اللهُ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اذْهَب فَادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيَها فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اذْهَب فادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا.
*** و من نظر نظرا أوليا إلى عظيم زينة السماء بتلك المصابيح المتلألئة وجد البون الشاسع بين قدرة الله و قدرة البشر و من علم من علوم الدنيا ما عرفوه إلى الآن عن هذا العالم لخضع و ذل و انكسروا و ما علموا إلا قليلا من العلوم فكل علومهم حتى الآن إنما هي عن طريق الرصد بالمناظير أو مراقبة الإشعاعات و الموجات و نحوها فما بالك لو غاصوا في أعماق هذا الكون و عاينوا أجزاءه ماذا سيجدون؟
و قطر الجزء المدرك من الكون أربعة و عشرون ألف مليون سنة ضوئية و هذا قطره و ليس مساحته فما بالك بالجزء غير المدرك من الكون و الكون المدرك لا يدركون كل ما فيه و لا حتى جُله و لا نصفه بل يعلمون عنه القشور الذي ينبغي أن يجعلهم ينكسرون و يخضعون لله العظيم.
*** قال أبو حيان: ومصابيح مطلق الأعلام ، فلا يدل على أن غير سماء الدنيا ليست فيها مصابيح.
و قال الرازي: اعلم أن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا ، وذلك لأن السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو كانت في سموات أخرى فوقها ، فهي لا بد وأن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها ، فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح .
قلت: أما أن السماء الدنيا هي التي اختصت بالنجوم و الكواكب أو أنها تقع خارجها أو بعضها في داخلها و البعض الأخر خارجها فهذا مما لا أعلم فيه شيئا من الوحي و مثله لا يقال بالظن بل لا بد فيه من نقل صحيح أو أثارة من علم فالدليل هنا يحتمل الوجهان و لكن سواء كانت تلك الكواكب و النجوم مركوزة في السماء الدنيا أو كانت في السماوات الأخرى فالرسالة قد وصلت و هي عظيم خلق الله و صنعه و أنه سبحانه على كل شيء قدير و ما هذا الكون المرئي إلا يسير في الكرسي و العرش أعظم و هذا الكون المرئي فاق في حده كل خيال و الله أعلم بما لا ندركه و لا نراه و لو أراد الله سبحانه أن يخلق ملايين و بلايين الأضعاف المضاعفة لهذا خلقه و فوق ذلك فلا حد لقدرته سبحانه هذه هي الرسالة التي ينبغي أن يعيها كل موحد بالله سبحانه و صدق الله سبحانه"والسماء بنيناها بأيد و إنا لموسعون".
***"وجعلناها رجومًا للشياطين":
الضمير في جعلناها إما يعود على السماء أو يعود المصابيح و توجية الأول: جعلنا منها ، لأن السماء ذاتها ليست يرجم بها الرجوم قاله أبو حيان.
والظاهر عوده على مصابيح ونسب الرجم إليها ، لأن الشهاب المتبع للمسترق منفصل عنها ، والكوكب قارّ في ملكه على حاله.
فالشهاب كقبس يؤخذ من النار ، والنار باقية لا تنقص.
قال بن عاشور: وضمير الغائبة في ( جعلناها ) المتبادر أنه عائد إلى المصابيح أي أن المصابيح رجوم للشياطين
ومعنى جعل المصابيح رجوما جار على طريقة إسناد عمل بعض الشيء إلى جميعه مثل إسناد الأعمال إلى القبائل لأن العاملين من أفراد القبيلة كقوله تعالى ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) وقول العرب: قتلت هذيل رضيع بني ليث تمام بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب .
وجعل بعض المفسرين الضمير المنصوب في ( جعلناها ) عائد إلى ( السماء الدنيا ) على تقدير: وجعلنا منها رجوما إما على حذف حرف الجر وإما على تنزيل المكان الذي صدر منه الرجوم منزلة نفس الرجوم فهو مجاز عقلي ومنه قوله تعالى ( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ) في سورة البقرة ولكنها على جعل الضمير المنصوب راجعا إلى القرية وإن لم تذكر في تلك الآية ولكنها ذكرت في آية سورة الأعراف ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) وقصتها هي المشار إليها بقوله ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ) فالتقدير: فجعلنا منها أي من القرية نكالا وهم القوم الذين قيل لهم ( كونوا قردة خاسئين ) .
***"رجوما للشياطين":
1 -الرجوم جمع رجم ، وهو مصدر سمي به ما يرجم به تسمية للمفعول بالمصدر مثل الخلق بمعنى المخلوق في قوله تعالى ( هذا خلق الله ) و الشياطين هم مسترقو السمع ، وأن الرجم هو حقيقة يرمون بالشهب.
قال تعالى:"إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10) " [الصافات: 6 - 10]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَخْبَرَنِى رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رُمِىَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ إِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِىَ بِمِثْلِ هَذَا؟ » .
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ مَاتَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « فَإِنَّهَا لاَ تُرْمَى لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَقُولُ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فَيُخْبِرُونَهُمْ فَيَسْتَخْبِرُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيُلْقُونَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَلَكِنَّهُمْ يَقْذِفُونَ فِيهِ » . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ.
وقال قتادة: خلق الله تعالى النجوم زينة للسماء ورجومًا للشياطين ، وليهتدي بها في البر والبحر؛ فمن قال غير هذه الخصال الثلاث فقد تكلف وأذهب حظه من الآخرة.
والذي جعل رجوما للشياطين هو بعض النجوم التي تبدو مضيئة ثم تلوح منقظة وتسمى الشهب
2 -معنى رجومًا: ظنونًا لشياطين الإنس ، وهم المنجمون ينسبون إلى النجوم أشياء على جهة الظن من جهالهم ، والتمويه والاختلاق من أزكيائهم ، ولهم في ذلك تصانيف تشتمل على خرافات يموهون بها على الملوك وضعفاء العقول ، ويعملون موالد يحكمون فيها بالأشياء لا يصح منها شيء.
قلت (شريف) : و باقي الآية مع الأثار المروية يرجح التفسير الأول.
*** قال الرازي: فإن قيل: جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها واستمرارها وجعلها رجومًا للشياطين ورميهم بها يقتضي زوالها والجمع بينهما متناقض ، قلنا: ليس معنى رجم الشياطين هو أنهم يرمون بأجرام الكواكب ، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شعل ترمى الشياطين بها ، وتلك الشعل هي الشهب ، وما ذاك إلا قبس يؤخذ من نار والنار باقية.
*** منافع النجوم:
1 -أن الله تعالى زين السماء بها .
2 -ومنها أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء ، ولذلك فإنه إذا تكاثف السحاب في الليل عظمت الظلمة ، وذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها .
3 -ومنها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، على ما قال تعالى: { وعلامات وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } [ النحل: 16 ]
4 -ومنها أنه تعالى جعلها رجومًا للشياطين الذين يخرجون الناس من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر .
*** وأصل ( اعتدنا ) أعددنا أي هيأنا قلبت الدال الأولى تاء لتقارب مخرجيها ليأتي الإدغام طلبا للخفة والضمير في لهم عائد على الشياطين.
و تأمل أن الله سبحانه العظيم أعد لهم هذا العذاب قال تعالي"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) "
فهذا هو الهلاك الحقيقي و الشقاء الحقيقي و إن ما في الدنيا من شر إنما هو قليل قليل مقارنة بهذا الأمر الجسيم قال تعالى:"و من يحلل عليه غضبي قفد هوى".
*** قال المبرد: سعرت النار فهي مسعورة وسعير كقولك: مقبولة وقبيل .
قال البخارى في الصحيح: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"ثُبُورًا"وَيْلًا وَقَالَ غَيْرُهُ السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ وَالتَّسَعُّرُ وَالْاضْطِرَامُ التَّوَقُّدُ الشَّدِيدُ.
قال بن عاشور:والسعير: اسم صيغ على مثال فعيل بمعنى مفعول من: سعر النار إذا أوقدها وهو لهب النار أي أعددنا للشياطين عذاب طبقة أشد طبقات النار حرارة وتوقدا فإن جهنم طبقات .
قلت:و تسمية الله سبحانه النار بالسعير تعظيم لأمر نارها و حرارتها و إحراقها و هذا التعظيم صدر من الله العظيم الذي نظرنا في خلقه و ملكه فرأينا أنا لا نطيق تقدير عظمته و جلاله و ملكه.
و هذا جزاء الشياطين في الدنيا شهب محرقة و في الآخرة نار موقدة و الذي بنى السماء على هذه الكيفية الهائلة التي تفوق الخيال هو الذي أعد لهم النار فكيف سيكون حالها؟ و من الذى يطيقها؟ اللهم أجرنا منها .
*** و الشياطين تعذب بالنار مع أنه خلقت منها كما أن الإنسان خلق من طين و هو يتلوث به لو أصابه و يتأذى به و يصاب لو قذف به و لو قذف بطين متحجر ضره ذلك و ربما قتله.
*** واحتج بالأية على أن النار مخلوقة الآن بهذه الآية ، لأن قوله: { وَأَعْتَدْنَا } إخبار عن الماضي .
و استدل أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم رآها بعيني رأسه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء » رواه البخارى.
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الجنة نادى جبريل فقال له: اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها!! فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فلما رجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد!! قال: ثم أرسله إلى النار قال: اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضًا، ثم رجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها!! فأمر بها فحفت بالشهوات. ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر فيها فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها.
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن النار اشتكت إلى الله سبحانه وتعالى فقالت: [يا رب! أكل بعضي بعضًا، فجعل لها نفسين، نفسًا في الشتاء، ونفسًا في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها] .
وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه [إذا جاء رمضان فُتِحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين] (متفق عليه) .
*** يقول أهل الفلك أن الشهاب لا يحترق فيعطى ذلك الضوء المعروف إلا إذا اخترق الغلاف الجوى و النكتة هنا أن الشياطين قدرتهم محدودة فلم يتجاوز صعودهم في السماء إلا قدرا يسيرا بالنسبة إلى هذا الملكوت العظيم ثم يمنعون من التصنت و الله أعلم .
و هل الصعود إلى هذه المسافة يجعل الإنسان قادرا على سماع كلام الملائكة ؟ الله أعلم فربما كان ذلك خاصا بالجن و لا ينطبق على الإنس و ربما انطبق.
*** و العجيب أن العلم الحديث يكشف حقائق أغرب من أبعد التصورات و الخيالات و قد كان الناس في الماضي يتعاملون مع أمور على أنها مسلمات ثم جاءت الحقائق العلمية فأثبتت غير ذلك و نسفت بنيانهم من قواعده و سبحان الملك ما كان في زمن من الأزمنة يعتبر من علوم الصفوة ثبت خطئه و أصبح الأطفال في المدارس يعلمون من الحقائق الثابتة ما يزيد عليه بكثير لذلك فأنا لا أريد أن أضع في هذا التفسير ظنونا و لا أوهاما إنما سأقتصر على بعض الإشارات و التنبيهات ثم النقولات عن علماء مسلمين معاصرين في علوم الدنيا.
أولا: في اللغة العربية يذكر العدد لإرادة التكثير، ويعبرون عنه بأنه عدد لا مفهوم له، وهذا كما تقول لصديقك: زرتك ألف مرة ولم تزرني فأنت لا تريد ألفًا بعدده، وإنما تريد زرتك مرات كثيرة فما ورد من تحديد لأبعاد السماوات و نحوها يحمل على هذا الأمر و لا أعلم ما يخلو سنده من مطعن و لكن على افتراض الصحة و ذلك أن عقول الخلق و علومهم في فترة نزول الوحي كانت لا تطيق معرفة ذلك إلا على وجه الإجمال الذي ذكر لهم و الله أعلم .
و قد يحمل العدد على أنه يقطع بوسائل مواصلات لا نعلمها و لم تكن العقول لتدركها زمان نزول الوحي.
و هناك وجة بعيد و هو ما ذكره علماء الفلك من أن الكون لا يزال في اتساع و تباعد بما يقارب سرعة الضوء فيحتمل أن هذه الأحجام كانت وقت نزول الوحي.
ثانيا: يلاحظ الاختلاف بين الاصطلاحات الفلكية و التي يتربى عليها الأطفال في المدارس فأصبح الصغير و الكبير لا يتبادر إلى ذهنه إلا هى و معاني اللغة العربية التي نزل بها القرآن فلا يشترط أن تكون النجوم المذكورة في القرآن الكريم هي عينها ما اتفق عليه اصطلاح الفيزيائيين حديثًا بأنها ذلك الجرم الكوني الضخم الغازي المضيء بذاته كالشمس بعكس سائر الأجرام المعتمة كالكواكب والأقمار.
و الكوكب لا يلزم أن يكون كالأرض و ليس نجما كالشمس بل لغويا الكوكب ينطبق على النجم ففي القاموس المحيط: الكَوْكَبُ: النَّجمُ كالكَوْكَبَةِ وبياضٌ في العَيْنِ و قال بن منظور:و قال ابن سيده وغيره الكَوْكَبُ والكَوْكَبةُ النَّجْم كما قالوا عَجوزٌ وعَجوزة وبَياضٌ وبَياضةٌ قال الأَزهري وسمعت غير واحد يقول للزُّهَرة من بين النُّجوم الكَوْكَبةُ يُؤَنثونها وسائرُ الكَواكِب تُذَكَّر فيقال هذا كَوكَبُ كذا وكذا.اه
فأنظر هنا إلى أنهم لم بفرقوا بين النجم و الكوب بالاصطلاح الفلكي بل عدوا كل منهما كوكبا.
ثالثا: اختلف الناس في معنى سبع سماوات طباقا فمنهم من قال بانها سبع سموات طباقا , الواحدة فوق الاخرى ومنهم من قال هن سبع سماوات بسبع عوالم كعالمنا وكل عالم منها له شمسه وكواكبه وكذلك بالنسبة للارض فمنهم من قال بانها سبع اراض , الواحدة فوق الاخرى ومنهم من قال هن سبع أراض كأرضنا.
و الأظهر أن بعضها على بعض قال تعالى:"أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا".
فلا يكون القمر فيهن بالجمع للسماوات السبع إن لم تكن الطبقات سماء داخل الأخرى وداخلها جميعا سمائنا الدنيا التى فيها القمر.
رابعا:استدل البعض بقوله تعالى:"ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه" ( الحج 65) أن السماء هنا كافة الأجرام السماوية وليس البعض منها فقط .
خامسا: قد يأتي العلم بما يخالف ما تصوره الناس و ألفوه و لكنه لا يأتي بما يخالف نصوص الوحيين الثابتة التي لا مطعن فيها و لا مجال فيها لتفسير أخر و قد يأتي العلم بتفصيل ما علمه الناس على وجه الإجمال أو ظنوه على وجه من الوجوه فيظهر على غيره و الله أعلم و لو وجدنا مخالفة بين العلم و الوحي فنعلم أنه إما أن هذا العلم قاصر أو مجرد نظرية خاطئة أو مخطئ أو أننا فهمنا نص الوحي خطأ و ليس ذلك من باب التكلف و لكنه من باب تصديق المئات الأدلة المتظاهرة القوية على صدق النبي صلى الله عليه و سلم و لله الحمد أنا لا أعلم ما فيه مثل هذا الخلاف.
و الآن لنبحر سويا في أقوال أهل علوم الدنيا من أخر اكتشافات العلم الحديث في زماننا حول الكون و السماء و قد أختصرت كثيرا من هذا الكلام المختصر أصلا حتى لا يطول السرد.
1 -يقول د. حسني حمدان (أستاذ علوم الأرض في جامعة المنصورة) :
والشمس تنطلق طاقة من سطحها الخارجي مقدارها 000.580 مليون مليون مليون حصان.
ويقول الدكتور/ منصور حسب النبي الثمن الذي يلزم علينا نحن سكان الارض أن ندفعه نظير ماتمدنا به الشمس من ضوء وحرارة بحوالي مليون مليون جنيه في الساعة الواحدة وصدق الله حيث يقول:"وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها"النحل: اية .18
2 -يقول المهندس: مراد عبد الوهاب الشوابكه (قسم الهندسة الكهربائية / هندسة الإتصالات )
وفي هذا البناء الكوني العجيب من الأجرام السماوية والمجرات بنجومها وكواكبها أعداد هائلة يصل عددها إلى أكثر من 120 مليار في الكون المعلوم و في كل واحدة منها مليارات النجوم والأجرام السماويّة وللمجرات كما تعلمون أشكال مختلفة وأبعاد هندسيّة وأقطار هائلة وإليكم بعض الأمثلة بالأرقام:
(1) مجرة درب التبانة (Milky Way Galaxy) :
قطر المجرّة = 100 ألف سنة ضوئية ( السنة الضوئية = 9.46 تريليون كيلومتر)