الصفحة 86 من 1760

التي من أجلها نزل وهي التي وضحها لنا الله بقوله: {ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} . وقد دلتنا هذه الآيات على ما يأتي:

(1) أن العداوة الدينية متأصلة في النفوس، متمكنة في القلوب لا يرضى صاحبها بغير ما يتدين به.

(2) أن البحوث في شأن العقائد الثابتة، والأمور الدينية والتعبدية المحضة، مع المتشككين المتعنتين قد ينتج عكس الغاية المطلوبة، فيجب التسليم بأمرها من غير تعليل لها.

(3) أن القرآن حجة قائمة على من يتخذه ويتلوه لمجرد التعبد دون التدبر والعمل به.

بعد أن منع الله نبيه من مجاراة اليهود والنصارى في طلباتهم، وأمره أن يقول لهم: {إن هدى الله هو الهدى} عاد يبين له وسيلة أخرى من وسائل الدعوة المشروعة، حيث خاطب بني إسرائيل بأسلوب آخر فيه شيء من الترغيب، ونوع من التأثير، فذكرهم بنعمة من نعمه التي مرت من قبل حيث قال: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين * واتقوا يومًا لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئًا ولا يقبل منها عدلٌ ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون} وقد سبق شرحها من قبل في آيتي (47 و48) .

ولما كان إبراهيم عليه السلام رجلًا يعترف له بالفضل في جميع الطوائف والملل، وكان اليهود والنصارى والمشركين جميعًا يتشرفون بالانتساب إليه، أراد سبحانه وتعالى أن يبين لليهود السر في فضله وعظمته، وما قطع الله له من وعود سابقة، ربما كان في ذكرها ما يحضهم على الاقتداء به في ثباته وعمله، وقوة نفسه، فعدد أسبابًا جاء في مقدمتها قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ} أي واذكر إذ اختبر إبراهيم ربه اختبارًا سريًا بكلمات ألقاها سبحانه وتعالى عليه ولكنه لم يبح بها لنا، ولعلها تتعلق بأمور نفسية خلقية: كالثبات على المبدأ وعظيم الإيمان، وقوة النفس، ووافر التضحية {فأتمهن} أي فأداها حقها، وبرع فيها براعة منقطعة النظير، وتكاد تكون فوق طاقة البشر حيث جاهد في سبيل معرفة الله أعظم جهاد، وآمن بالله عن طريق آياته الكونية، وعمل على نشر الدعوة إلى التوحيد، ولم يعبأ في ذلك بأبيه وقومه، وهو وحيد لا ناصر له ولا معين، واستطاع أن يملك نفسه ويصونها من الخوف من غير الله، حتى وهو بداخل النيران، وعمل على إرضاء ربه حتى بذبح ثمرة قلبه إسماعيل لمجرد رؤيا خطرت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت