الصفحة 852 من 1760

النصح بفعل ما فيه خيركم وسعادتكم {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي وإني إذ أقوم بواجب النصح فإنما أتكلم عن علم بما أوحاه الله إليّ من أمر الطوفان العام {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم} أي وما يكون لكم أن تعجبوا من أن تأتيكم الرسالة من ربكم على لسان واحد منكم فذلك ليس من فعلي بل من فعل من خلقكم وهو الفعال لما يريد خصوصًا وإنه لم يطلب إليكم عبادته شخصيًا حتى تتهمونه في دعواه بل إنه ما جاء إلا {لينذركم} عذابًا في الدنيا والآخرة دون أن يحملكم على تصديقه قسرًا {ولتتقوا} أي وليبث فيكم روح التقوى بمعنى يدلكم على سبيل رضاء الله عنكم {ولعلكم ترحمون} أي ولأنه إنما يرجو لكم رحمة الله وكل هذه من الغايات التي ينبغي عليكم تقديرها له والإيمان به من أجلها {فكذبوه} في رسالته وأبوا الاستجابة لدعوة التوحيد التي جاء بها {فأنجيناه} من الغرق {والذين معه} ممن آمن به {وما آمن معه إلا قليلا} . {في الفلك} أي السفينة التي ألهمه الله عملها من قبل {وأغرقنا} بالطوفان {الذين كذبوا بآياتنا} أي بسبب تكذيبهم بآيات الله الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته على إرسال الرسل {إنهم كانوا قومًا عمين} أي عمي البصائر والقلوب وإن كانوا سليمي النظر.

بعد أن شرح الله ما كان من إرساله نوحًا إلى قومه الذين كانوا لا يعترفون بوجود الله ودعوتهم إلى معرفته وتكذيبهم به وإغراقه تعالى لهم جزاء على ذلك أردف ذلك بقصة قوم عاد وهم جماعة كانت منازلهم بالأحقاف بين عمان وحضرموت عرفوا بالبأس والقوة قيل كانوا يعبدون صنمين أحدهما يقال له"صمود"والثاني يقال له"الهتار"فبعث الله لهم رسولًا اسمه هودًا رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال كان هود أول من تكلم العربية وولد له أربعة أولاد أولهم قحطان أبو اليمن وآخرهم نافع أبو مضر واثنان لم ينسلا وهما مقحط وقاحط وقد بسط الله ما كان منه مع قومه إذ قال {وإلى عاد} أرسلنا {أخاهم هودًا} ليدعوهم إلى الإيمان بالله {قال} كما قال نوح من قبله {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} وذروا هذه الأصنام التي تدعونها من دونه فهي لا تسمع ولا ترى ولا تنفع ولا تضر {أفلا تتقون} الله الذي خلقكم والقادر على محوكم إذا أنتم لم تقلعوا عما أنتم عليه من الشرك ودعاء غير الله وقدم علمتم ما حل بمن قبلكم من قوم نوح {قال الملأ الذين كفروا من قومه} لقد وصف الله الملأ من قوم هود بالكفر ولم يصف الملأ من قوم نوح بالكفر إشارة إلى أن أولئك كانوا لا يتصورون وجود الله فيتهمون الداعي إليه بالضلال أما هؤلاء فإنهم يؤمنون بوجود الله ولكنهم يتصورونه متمثلًا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت