الصفحة 851 من 1760

تنبت ولكن الزرع لا يخرج إلا نكدًا أي سيئًا فقد يكون شوكًا وقد يكون حرملًا وحنظلًا وهكذا الناس إذ يخرجون من الأرض يوم القيامة من استثمر حياته في مرضاة الله في الدنيا خرج معه عمله ثمرًا يانعًا ومن أهمل استثمار حياته فيما يرضي الله ولم يعمل لآخرته لا يجني غير سيئ العمل ونكده {كذلك} بمثل هذا المثال {نصرف الآيات لقوم يشكرون} أي نقيم الأدلة العقلية لمن يقدر نعم الله فيستفيد منها ويشكره عليها جعلنا الله منهم بمحض كرمه.

بعد أن حذر الله بني آدم من فتنة الشيطان وأخبرهم بأنه سيرسل لهم رسلًا منهم يقصون عليهم آياته وبسط لهم ماذا يكون جزاء المصدقين والمكذبين أخذ يشرح ما كان من أمر إرساله الرسل فعلًا وماذا أجيبوا من قبل أن أرسل إليهم فقال {لقد أرسلنا نوحًا} وهو أول رسول أرسله الله {إلى قومه} يدعوهم إلى معرفة الله والرجوع إليه في النائبات وقد صدع لأمر ربه وجاء إليهم {فقال يا قوم} أي ناشدهم باسم الرابطة القومية التي كانوا يدينون لها إذ لم يكن لهم آلهة يقدسونها أو يحترمونها {اعبدوا الله} جرى المفسرون على أن المراد بالعبادة معناها اللغوي من الخضوع والطاعة والصواب ما عرفها لنا الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله «الدعاء هو العبادة» أي ادعوا الله فإن الدعاء يعبر عن الإذعان لله بالقدرة على تحقيق الرغبات والاعتراف بالحاجة إليه في جميع الأوقات وسائر الحالات وقد أشار إليه تعالى في الآية السابقة بقوله: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية} وأكد هذا بقوله هنا {ما لكم من إله} يسمع النداء ويجيب الدعاء ويفرج الكرب ويقضي الحوائج {غيره} برفع الراء وقرئ بكسرها لأنه هو الذي خلقكم وقدر أرزاقكم وهو المهيمن على جميع حركاتكم وسكناتكم وإليه مرجعكم ومآبكم {إني أخاف عليكم} في حال عدم الإيمان به ولجوئكم إلى غيره بالدعاء {عذاب يوم عظيم} كأنه بهذا يهددهم بالطوفان العام المنتظر والذي كان نوح يصنع الفلك من أجل الوقاية منه فلم يعبؤا بتهديده واستبعدوا ظهور الماء في تلك المفازة وكانوا يعتبرونه في نظرهم ضالًا ولذا {قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين} إذ تأمرنا أن ندعوا إلهًا غيبيًا لم نره ولم نحس بوجوده وتهددنا بأمر بعيد {قال يا قوم ليس بي ضلالة} فإني على بينة من أمري وأعقل ما أقول {ولكني رسول من رب العالمين} أي أني أحمل رسالة من خالق الخلق أجمعين وقد أمرني ربي أن {أبلغكم} بتشديد اللام وقرئ بتخفيفها {رسالات ربي} أي أن أكون واسطة لإشعاركم بما يريده سبحانه وتعالى منكم وما ينهاكم عنه {وأنصح لكم} أي ولأسدي إليكم خالص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت