الصفحة 85 من 1760

من أصحاب الجحيم. فقد قضت سنة الله في خلقه أن من شأنه التشكك، وطبعه العناد والمكابرة، لا سبيل إلى إقناعه بالحق، ولا ترجي هدايته، وإنما تحصل الهداية لمن طلب معرفة الدليل ليقنع بالحق عن يقين.

بعد أن عدد الله نعمه على بني إسرائيل وبين ما هم عليه من أخلاق وطبائع، وما اقترفوه من سيئات ومطاعن ضد الإسلام، لا تدع مجالًا للطمع في إيمانهم ختم البحث بقوله {ولن ترضى عنك} يا محمد {اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} . والخلاصة: أن اليهود والنصارى لن يرضيهم منك شيء مهما حرصت على إرضائهم إلا أن تتبع ملتهم، وهذا ما لا يمكن أن يكون، لأن مهمتك في الحياة إنما هي إصلاحهم وهدايتهم لا العمل على إرضائهم، إذن {قل} أيها الرسول لمن حاول مفاحمتك وإعجازك من اليهود والنصارى {إن هدى الله} الذي أدعو إليه {هو الهدى} الصريح الذي أنزل من عند الله، وهو بين أيديكم فإن اتبعتموه فلكم أجركم، وإلا فعليكم يقع وزركم {ولئن اتبعت أهواءهم} أو ولئن حاولت أن تجاريهم في الأخذ والرد، والإجابة عن كل سؤال يوجهونه إليك بالمطالبة بمعجزة تؤيد رسالتك {بعد الذي جاءك من العلم} بحقيقة أمرهم، وأنه لا طمع في إيمانهم، وأنهم لن يرضوا عنك إلا أن تتبع ملتهم {ما لك من الله من وليٍ ولا نصيرٍ} فشأنك وشأنهم، لأن الله لن يتولى تأييدك في تحقيق ما يطلبونه منك، ولن ينصرك عليهم بإقامة الحجة بالطرق التي يريدونها، وكن على ثقة بأن {الذين آتيناهم الكتاب} وهو القرآن وآمنوا بأنه من عند الله {يتلونه حق تلاوته} أي من شأنهم وواجبهم أن يحرصوا على تلاوته حق تلاوته بأن يدرسوا ويتدبروا أحكامه، ولا يتقيدوا في ذلك برأي لا يدل عليه القرآن، ولا يتأولوا كلمة صريحة أو معنى واضحًا {أولئك} هم الذين يملأ الله قلوبهم بالهدى، ويشع عليهم النور الإلهي في أثناء تلاوتهم لآياته لأنهم {يؤمنون به} حقًّا بعد علم ويقين، وللقرآن تأثير في النفوس لا يحصل من سواه. أما الذين لا يتلونه حق تلاوته، ولا يدركون معناه، ولا يتذوقون حلاوة طلاوته، ولا يتدبرون آياته ليقفوا على كنهه ومرماه، والعمل بمقتضاه، فشأنهم شأن الكافرين {ومن يكفر به} ممن يتصور أن القرآن إنما أنزل لمجرد التعبد بتلاوته فقط، فلا يحرص على تدبر معانيه، والعمل بأحكامه {فأولئك هم الخاسرون} الذين أضاعوا أوقاتهم في تلاوة القرآن دون الحصول على ثمراته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت