الصفحة 848 من 1760

بعد أن عرفت الآية السابقة الناس بحقيقة الربوبية جاءت هذه الآية على إثرها لإفهامهم ما يقتضيه ذلك من وجوب توحيد الألوهية وهو إفراده تعالى بالعبادة وروحها ومخها الدعاء بل هي الدعاء بذاته لقوله صلى الله عليه وسلم الدعاء هو العبادة فقال {ادعوا ربكم} أي ما دمتم قد عرفتم أن لكم ربًّا هو الذي خلقكم وخلق السموات والأرض فادعوه والدعاء هو توجه القلب بطلب الشيء إلى من يملك ذلك الشيء وهو الله فاطلبوا منه ما تريدون مما أنتم في حاجة إليه يؤته لكم ولكن بشرط أن يكون الدعاء موصوفًا بحالتين الأولى كونه {تضرعًا} أي في تذلل وابتهال إلى الله وتصور لقربه منكم يسمع ويرى. والحالة الثانية {وخفية} أي سرًّا لقوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرًعا وخفية ودون الجهر من القول} أو في حال الاعتزال عن الناس حتى لا يشوبه شيء من الرياء والتصنع {إنه} أي ربكم {لا يحب المعتدين} أي المتجاوزين في الدعاء حد الضراعة والخفية أو التوجه به إلى غير الله من باب أولى فقد امتدح الله دعاء نبيه زكريا {إذ نادى ربه نداء خفيا} وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمًا ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم» وروى أحمد وأبو داود عن أبي وقاص أنه سمع ابنًا له يقول اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها واستبرقها وكذا وكذا. وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيرًا كثيرًا وتعوذت من شر كثير وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «سيكون قوم يعتدون في الدعاء فإياك أن تكون منهم» ولقد صدق رسول الله وأصبحنا في وقت استخفت الناس فيه بالدعاء واعتدوا فيه وصاروا يرسلونه من أفواههم بلا حساب ومن غير قصد ودون يقين بالإجابة أو تصور لله أثناء ترتيلهم لحزب البر والبحر وما أشبه ذلك من الأدعية ودلائل الخيرات التي يسردونها من غير وعي كالببغاء ومنهم من يوجهه إلى غير الله ولا يرى في ذلك من حرج عليه لأن علماء الدين لا ينهونهم عنه. {ولا تفسدوا في الأرض} بإفساد عقائد الناس وإبعادهم عن الله {بعد إصلاحها} بما أنزله تعالى من شرائع من شأنها أن ترفع مستواهم العقلي والعملي وتجعلهم يعتمدون على الله كل الاعتماد فيصلح بذلك أمر دينهم ودنياهم وآخرتهم {وادعوه} أي الجئوا إليه {خوفًا} خائفين من عقابه وفي حال الخوف من كل شيء يسؤكم من أمر الدنيا والآخرة يؤمن الله خوفكم ويغفر ذنوبكم {وطمعًا} أي حال كونكم طامعين في رحمته واثقين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت