الصفحة 847 من 1760

وعلا من هذا العالم لأن العالم هو المخلوق المحدود والمعروف الجهة أما الله الخالق فغير محدود ولا معروف الجهة. ويمكننا أن نمثل لذلك ولله المثل الأعلى بأن صانعًا أوجد عدة صناديق من خشب وألقى بها في زاوية ما مما يملكه من أراض واسعة له ثم صنع كرسيًا من الحديد أكبر من تلك الصناديق ثم وضعه بالأعلى ثم استوى عليه فهل يفهم من هذا ما يحدد مكان الصانع وما الذي يمكن تحديده في هذه الحالة الكرسي والصناديق أم الصانع لها ولا شك أن قول الصانع للكرسي بأنه استوى عليه لا يقيده باستوائه عليه على الدوام كما لا يمكن أن يحدد موضع الصناديق بأكثر من أنها أسفل من كرسي الصانع دون باقي الجهات بالنسبة للفضاء الواسع فالله سبحانه بهذا الاعتبار أعلى من جميع المخلوقات ولا يمكن أن نتصور من قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} أنه اتخذ من ذلك العرش محل إقامة دائمة له أخذ على نفسه أن لا يبرحه أبدًا خصوصًا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مضى شطر الليل أو ثلثه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فيعطى. هل من داع فيستجاب له حتى ينفجر الصبح» فهو سبحانه يفعل ما يشاء لا معارض له كما لا يمكن أن نفهم من استوائه تعالى على عرشه استواء يشبه الملوك على عروشهم لأن الله تعالى ليس بشخصية مادية حتى يكون استواؤه كاستواء المخلوقين ونحن لا نعلم صفة ذلك العرش حتى نعلم كيفية استوائه عليه أو نزوله منه فلا يسعنا إلا أن نثبت لله الاستواء والنزول ولا نكيف هذا بل نقول إنه ليس كاستواء المخلوقين ونزولهم لأنه ليس كمثله شيء بل استواء ونزولًا لائقين بجلال الله وعظمته كما أنه لا يجوز لنا أن نؤول استواءه على العرش بالاستيلاء عليه كما يقول علماء الخلف لأن الله جل وعلا مسئول على كل شيء لا على العرش وحده. دون باقي الأشياء. {يغشى} بتخفيف الشين وقرئ بتشديدها غشي الشيء لحقه وغطاه {الليل النهار} يغطي نوره {يطلبه حثيثًا} أي يعقبه سريعًا وهذا الطلب السريع يظهر جليًا بما ثبت من كروية الأرض ودوران محورها تحت الشمس فيكون نصفها مضيئًا بنورها دائمًا والنصف الآخر مظلمًا دائمًا {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} بنصب هذه الكلمات جميعها وقرئ برفعها أي كلها تسير وفق نظام دقيق وضعه الله ولا تخرج عنه {ألا له الخلق والأمر} أي أنه تعالى هو الخالق لجميع الموجودات والمسير لها بحسن تدبيره ووفق نظام مشيئته {تبارك الله رب العالمين} أي تزايدت وعظمت بركات الله التي تستحق الشكر والعبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت