الصفحة 84 من 1760

أمرًا فهذا لا يكلفه عناء في التفكير أو في اتخاذ الوسائل، بل إنه بمجرد تعلق إرادته به {فإنما يقول له كن فيكون} فيحصل في نفس اللحظة التي يعينها سبحانه وتعالى.

وقد حذر المؤمنين بهاتين الآيتين من مجاراة اليهود في مزاعمهم التي دخلت على من بعدهم من النصارى ومشركي العرب حيث اتخذوا لله أبناء يحبونهم كحبه، ويمجدونهم كتمجيده، ويلجؤون إليهم في الشدائد، وينتظرون منهم قضاء الحوائج. وجاء الإسلام يحارب هذه الفكرة من أساسها، ويأبى على الناس تقديس الأولياء والصالحين، بل والأنبياء والمرسلين كتقديس الله، وتوجيه الدعاء لهم كدعائهم له.

«النوع الثامن» من سيئات بني إسرائيل ومطاعنهم ضد الإسلام وقد تبعهم فيها غيرهم من المشركين: ما كان موجهًا إلى الدعوة الإسلامية وذلك بالتشكيك في دعوة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، ومطالبته في كل يوم بمختلف المعجزات. وقد أشار إلى ذلك سبحانه وتعالى بقوله: {وقال الذين لا يعلمون} حقيقة التوحيد والنبوة من اليهود وغيرهم {لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية} ، وقال في آية أخرى: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء} ومعنى هذا أنهم يريدون الاتصال بالبارئ جل وعلا مباشرة، ومن غير واسطة رسول لعدم ثقتهم بجميع الآيات الدالة على رسالة هذا النبي الكريم، بل هم يريدون آية يختصون بها {كذلك قال الذين من قبلهم} من آبائهم الأولين {مثل قولهم} تعنتًا، حيث قالوا لموسى {أرنا الله جهرة} {تشابهت قلوبهم} في القسوة ولذلك كانت أسئلتهم وطلباتهم متحدة، فقال تعالى: {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} أي أن الآيات التي أنزلناها وبيناها كافية لمن خلصت نيته، وطلب الإقناع لحصول اليقين، أما من جبل على العناد واستمر على المكابرة فلن يعدم مختلف الأسئلة، ولا سبيل إلى إقناعه لأنه لا يريد أن يقتنع وإنما يقصد التعنت والتعجيز، فكلما أجيب على مطلب فكر في خلق وابتداع مطلب سواه، وهكذا دواليك، ولن يرضيه شيء {إن أرسلناك بالحق} أي بالعقائد الصحيحة المقبولة عند كل ذي عقل سليم، والمتجافية عن كل خرافة وتخيل، لتكون {بشيرًا} للطائعين بحسن الثواب {ونذيرًا} للمعاندين والعاصين بسوء المصير {ولا تُسأل} وقرئ {ولا تَسأل} أيها الرسول {عن أصحاب الجحيم} أي فلا يسوءك تكذيب المكذبين الذين ارتضوا لأنفسهم بعد أن أوضحت لهم سبيل الجنة والنار أن يكونوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت