يظلمون أي الذين جاءوا بالسيئات لا يظلمون بمعنى لا تجحد حسناتهم بل تضاعف كما تضاعف حسنات المحسنين فإن رجحت حسناتهم على سيئاتهم دخلوا الجنة بأعمالهم الحسنة التي ضاعف الله لهم ثوابها برحمته لا كما يتصور بعضهم من أنه لا قيمة للعمل في دخول الجنة فالحقيقة أن الذي جعل العمل الصالح سبيل دخول الجنة هو الله برحمته والذي قضى بمضاعفة أجر الحسنة هو الله أيضًا من واسع رحمته فإذا قلنا إن العمل الصالح شرط في دخول الجنة فهذا لا يتنافى مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل أحدكم عمله الجنة ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» وروى أحمد والبخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: «إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك بقوله فمن هم بحسنة فلم يعملها كتب الله له عنده حسنة كاملة فإن هو همّ بها وفعلها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هو همّ بها وفعلها كتبها الله سيئة واحدة» اللهم وفقنا لصالح العمل لنكون أهلًا لرحمتك يا أرحم الراحمين.
لقد اشتملت هذه السورة على بيان ما يريد الله دعوة الناس إليه من التوحيد الخالص وتجنب الشرك ودحض شبه الكافرين ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يختمها بخلاصة وافية عن المبادئ السامية التي دعا إليها وطبقها على نفسه فقال {قل} أيها الرسول يا خاتم النبيين لقومك وسائر الأمم {إنني هداني ربي} بمعرفته تعالى بمحض كرمه وبوحي منه {إلى صراط مستقيم} إلى طريق واضح لا اعوجاج فيه {دينًا} أي أن هذا الصراط المستقيم هو الدين الذي جئت به {قيمًا} بفتح القاف وتشديد الياء على وزن سيد أي الذي يسود سائر الأديان ويصحح ما بها من أخطاء كما يتولى قيم الوقف سائر شئونه وقرئ «قيمًا» بكسر القاف وفتح الياء {ملة إبراهيم} أي أن هذا الدين هو الذي هدى الله به إبراهيم إلى معرفته وصيره من أجله إمامًا للناس أجمعين وقد كان إبراهيم {حنيفًا} أي مائلًا عن جميع ما سوى الله مما عليه آباؤه من عبادة الأوثان {وما كان} إبراهيم قط {من المشركين} مع أنه نشأ في محيط كله شرك وضلال الأمر الذي يدل صراحة على أنه لم ينل الهداية إلا من الله نتيجة لرغبته في التعرف إلى مولاه {قل إن صلاتي} التي أصليها بهذا الشكل الخاص والتي أدعوا الناس إلى أن يقلدوني في أوضاعها {ونسكي} النسك في اللغة العبادة ولكنه كثر استعماله في القرآن والحديث في عبادات الحج وخصوصًا منها الذبائح و {محياي ومماتي} أي كل عمل ينفعني في حياتي وبعد موتي {لله رب العالمين}