الصفحة 810 من 1760

بعد أن أمر الله رسوله بأن يتلو على عباده ما أوجبه وما حرمه عليهم وجاءت به سائر الرسل من قبله من الوصايا العشر التي قامت عليها الديانات كافة أراد أن يخبره بما تفرع عن تلك الأصول من شرائع لم تكن إلا لمصلحة العباد وزيادة الأجر لهم فقال {ثم آتينا موسى الكتاب} الذي هو التوراة {تمامًا} لنعمتنا {على الذي أحسن} في اتباع الواجبات والانتهاء عن المحرمات ورغبة في الوقوف على ما يؤدي إلى زيادة الثواب والحصول على أعلى الدرجات {وتفصيلًا لكل شيء} من تلك الأصول قد يخفى على قصار النظر مما قد يكون ذريعة لهم في ادعاء الجهل بالمراد منها. {وهدى} إلى معرفة الله {ورحمة} أي وسبيلًا إلى نيل رحمته {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} أي أن الله قد أنزل التوراة كوسيلة للإيمان بالبعث بعد الموت وما يكون هناك من ثواب وعقاب فيحملهم إيمانهم به على تنفيذ أوامر الله واجتناب نواهيه نظرًا لخلو الوصايا المذكورة من الإشارة إلى شيء من ذلك {وهذا} أي القرآن {كتاب أنزلناه} عليك {مبارك} من البركة وهي الزيادة والنماء أي أنه يزيد ويفضل على كتاب موسى في كل ما ذكر عنه {فاتبعوه} فيما شرعه لكم من الأحكام التفصيلية {واتقوا} ما نهاكم عنه وحذركم إياه {لعلكم ترحمون} فقد جعل الله ذلك سبيل نيل الرحمة وهنا وجه الله الخطاب إلى العرب الذين أنزل القرآن بلغتهم وعلى واحد من أبنائهم مؤكدًا عليهم وجوب اتباعه وأنه لا عذر لهم في عدم الإيمان بالله وبما جاء من عنده فقال {أن تقولوا} أي لئلا تقولوا يوم القيامة {إنما أنزل الكتاب} من عند الله {على طائفتين من قبلنا} وهما قوم موسى وقوم عيسى أما نحن فلم ينزل علينا كتاب {وإن كنا عن دراستهم لغافلين} أي وعدى ذلك فنحن في غفلة عن دراسة الكتب لجهلنا اللغة التي أنزلت بها وغلبة الأمية علينا {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب} الذي أنزل على الطائفتين {لكنا أهدى منهم} لما لدينا من ذكاء فطري ونضج عقلي وهمة عالية، وعدم إنزال الله الكتاب لنا دليل على أنا غير مكلفين بما جاء في تلك الكتب وقد قالوا ذلك فعلًا في الدنيا بما حكاه الله عنهم في سورة فاطر بقوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورًا استكبارًا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} . {فقد جاءكم} القرآن للناس كافة {بينة} أي دلالة واضحة وحجة قوية تدل على وحدانية الله وتتجدد مفاهيمه بتجدد الأيام وتقدم العلم ورقي الأفكار {من ربكم} يقطع كل عذر قد تقتبسونه {وهدى} لمن تدبره إلى نظم الله الاجتماعية وسننه الكونية وما فيه الخير العام بين بني الإنسان {ورحمة} عامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت