فيه. وقد فصلنا معنى الوفاة في الصفحة 32 من الجزء الثالث من هذا التفسير حيث قلنا إن الوفاة إنما هي للنفس بفقد عاقليتها بخلاف الموت فإنه للبدن بانتزاع الروح منه {ويعلم ما جرحتم} جرح الشيء عابه، والجارحة العضو من الإنسان لا سيما يده. والمعنى أنه تعالى يعلم بكل عمل يصدر منكم باختياركم {بالنهار} أي في حال اليقظة {ثم يبعثكم فيه} البعث إثارة الشيء وتوجيهه يقال بعثت البعير أثرته من مبركه وسيرته أي يوقظكم بالنهار ويرسلكم في أعمالكم {ليقضى} أي لينفذ {أجل مسمى} في علم الله تعالى. فإن لكل فرد منكم أجلًا معلومًا عنده لا بد من استيفائه وإتمامه. {ثم إليه مرجعكم} يوم القيامة عند انتهاء آجالكم المعلومة لديه {ثم ينبئكم بما كنتم تعملون} في حال يقظتكم ويحاسبكم على ذلك وفق ما أعلنه لكم من دستور العمل ما يستحق منه الثواب وما يستحق عليه العذاب {وهو القاهر} الغالب المستعلي بقدرته فلا يستطيع أحد أن يناله {فوق عباده} أي إنهم جميعًا تحت قبضته وحياتهم مستمدة منه ولا حول ولا قوة لهم إلا به، ولا يستطيع أحد أن يتخطى ما سنه من سنن ونواميس {ويرسل} مع هذا {عليكم حفظة} من الملائكة تقيكم من الأخطار التي تقعون فيها كما قال تعالى في سورة الرعد: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} وتحفظ أعمالكم بإحصائها وتدوينها كما قال تعالى في سورة ق {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد * إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} .
{حتى إذا جاء أحدكم الموت} أي حل الأجل المحتوم كفت الحفظة عن أداء مهمة الحفظ وانتزعت الروح من الجسم فلم يعد يبدي حراكًا وإذ ذاك {توفته} وقرئ «توفاه» {رسلنا} الموكول إليهم قبض الأنفس إلى جانب انتزاع الروح من البدن وقد قال تعالى في سورة الزمر: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} أي في ساعة الموت مما يدل على أن الوفاة غير الموت {وهم لا يفرطون} أي لا يقصرون في أداء مهمتهم في الحال من غير توان {ثم ردوا} أي أولئك الذين توفتهم الرسل {إلى الله مولاهم الحق} الذي لا شك في ولايته عليهم ومردهم إليه. أما ولاية غيره فولاية باطلة {ألا له} وحده {الحكم} في ذلك اليوم الموعود {وهو} سبحانه أسرع