الصفحة 750 من 1760

تستعجلون به أي لو كان أمر العذاب في يدي {لقضي الأمر بيني وبينكم} وأنزلته بمن يقاومني ويصدني عن تبليغ دعوة ربي فقد خلق الإنسان عجولًا. ولكن الأمر في هذا يعود إلى الله {والله أعلم بالظالمين} الذين يستحقون العذاب من الذين يرجى هدايتهم فلا يستحقونه. وله سبحانه في عقاب الظالمين دستور أعلنه للناس في آية أخرى بقوله: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون * وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} .

بعد أن أمر الله رسوله في الآية السابقة أن يعلن للكافرين والمشركين أنه لا يستطيع أن يستعجل لهم العذاب الذي ارتضوه لأنفسهم لأن هذا عائد إلى أمر الله ودستوره الذي سنه لعقاب عباده، فهو سبحانه الذي يقضي بالحق وهو أعلم بالظالمين؛ أخذ يتحدث عن واسع علمه الذي لا يستطيع بشر أن يتصور مداه، أو يزعم لنفسه أن يدرك جزءًا ضئيلًا منه فقال {وعنده مفاتح} جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن وبكسرها وهو المفتاح الذي تفتح به الأقفال {الغيب} وهو كل ما غاب عن العين أو الإدراك {لا يعلمها إلا هو} أي لا يعلم السبل والوسائل التي تؤدي إلى اكتشاف الحقائق والعلم بالمغيبات غير الله فهو الذي علم آدم الأسماء كلها، وهو الذي يملك إنارة البصائر وتفتيق الأذهان وفق سنن هو واضعها. ولولاه لعاش الناس في جهل وإدراك بسيط محدود {ويعلم} إلى جانب هذا كل {ما في البر والبحر} من سائر المخلوقات الحية والجامدة باعتباره تعالى هو الخالق لها. والخالق لا يخفى عليه مقدار ذرة من عناصر مخلوقاته {وما تسقط} على الأرض {من ورقة} من أوراق الأشجار اليابسة على كثرتها {إلا يعلمها} يعلم بسقوطها أي إنه تعالى يعلم بجميع الحركات والسكنات حتى من الجمادات {ولا حبة} وجدت أو ستوجد {في ظلمات الأرض} أي فيما خفي وتوارى في داخلها {ولا رطب} أي اللين الناعم {ولا يابس} أي الصلب القاسي {إلا} وقد قدر الله خلقها ومزاياها {في كتاب} عند الله من قبل إيجادها {مبين} موضح ومفصل لكل ذلك. أي إنه تعالى هو الذي خلق كل شيء وقدر خواصه ومزاياه فلا يعزب عن علمه شيء من أحواله {وهو الذي يتوفاكم} أي يخرج نفس الإنسان من بدنه الحي بقضائه {بالليل} فلا يشعر بشيء مما يجري حوله، ولا يعلم بما يصدر منه في حال نومه من حديث أو عمل، فلا يؤاخذكم على شيء من ذلك، إذ لا خيار لكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت