منهما واختتمت بأن {لله ملك السموات والأرض وما فيهن} فناسب أن يجيء بعدها هذه السورة، لما اشتملت عليه من إثبات الصانع ودلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين. وقد بدأها الله سبحانه وتعالى بخلق السموات والأرض وما فيهن من ظلمة ونور ومدى سلطانه على كل شيء حيث أمر رسوله أن يقول {الحمد لله} أي إن الحمد حقيقته وكليته لا ينصرف إلا لله وحده لأنه سبحانه مصدر كل نعمة تستوجب الحمد فهو {الذي} بكمال قدرته {خلق السماوات والأرض} أي الذي أوجد الأجرام المادية في كل من العوالم السماوية والأرضية {وجعل الظلمات والنور} من الأمور المعنوية التي تدرك بالحس والمشاهدة ولا تلمس بالأيدي. والمعنى أنه تعالى هو الذي قسم الموجودات إلى جواهر وأعراض {ثم الذين كفروا بربهم} أي أنكروا وجوده من الملاحدة والطبيعيين {يعدلون} عن الاعتراف له جل شأنه بتوحيد الربوبية بخلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، بل ينسبون ذلك إلى عمل الطبيعة وغيرها مما لا تأثير له من المخلوقات، ولو عقلوا لعلموا أنه لا بد لهذا الكون العجيب في مخلوقاته وأحواله من خالق ومبدع {هو الذي خلقكم} أي خلق أصل السلالة البشرية وهو آدم عليه السلام {من طين} وهو التراب الذي يخالطه الماء فيكون كالعجين {ثم قضى} لكل حي في الوجود أجلين {أجلًا} معلقًا ومرتبطًا بسبب من الأسباب التي جعلها الله وسيلة للموت كالغرق والحرق وغيره من الأمور المفاجئة. وهذا الأجل يزيد وينقص وفق السنن المقدرة لذلك. وقد أشار الله إليه بقوله في آية أخرى: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} أي أن ذلك معلوم لديه. وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن في استطاعة الإنسان أن يطيل هذا الأجل بقوله: «إن صلة الرحم تزيد في العمر» وقوله: «لا يزيد في العمر إلا البر» وأما الأجل الآخر فقد أشار إليه تعالى بقوله {وأجل مسمى عنده} أي لا يتقدم ولا يتأخر. وقد أشار الله إليه بقوله في آية أخرى {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} {ثم أنتم} أيها البشر المخاطبون من كفار وأهل كتاب {تمترون} أي تشكون في أن الموت في الحالين لم يكن إلا بقضاء الله وقدره ولا تدركون أنه تعالى الذي جعل للأسباب تأثيرًا في المسببات لا يعجزه أن يدرأ عنكم أثرها وينجيكم من شرها ويؤخر سبحانه موتكم إلى الأجل المسمى عنده متى أراد وهذا مما يتنافى مع توحيد الألوهية {وهو الله في السماوات وفي الأرض} لقد حسبت الجهمية من