منه وأمنع ولم يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب» (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ) أي ولولا أن الربانيين وهم الداعون إلى الله والأحبار ويراد بهم رجال الدين كانوا ينهونهم (عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) أي لساء صنيعهم وعم فسادهم أكثر فأكثر.
بعد أن نبه الله المؤمنين إلى أن العمل لإعلاء كلمة الله ولنصرة دينه وعدم السماح لأحد بالتعرض له بأذى من لوازم سبل العزة في هذه الحياة الدنيا وأشعر رسوله بالأسباب الداعية إلى نقمة أهل الكتاب منه وعرَّض باليهود بصورة خاصة لما استحقوه من جزاء وما هم عليه من نفاق وارتكاب لمختلف المعاصي والسيئات أخذ يذكر ما هو أنكى من كل ذلك من جرأتهم على مقام الألوهية ووصفه تعالى بما لا يليق أن يوصف به أو ما يتعالى عنه علوا كبيرا فقال (وَقَالَتِ الْيَهُودُ) فيما يتحدثون به في أنفسهم أو مجالسهم الخاصة (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن البخل والجود كما قال تعالى (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) وقد أراد اليهود بهذا نسبة البخل إلى الله إذ قال رجل منهم يقال له شماس بن قيس «إن ربك بخيل لا ينفق» كما قالوا مثل هذا في آية أخرى (إن الله فقير ونحن أغنياء) وقد استحقوا بقولهم هذا أن يبتليهم سبحانه بداء البخل حيث قال (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) فأصبح البخل سجية لهم وطبعا من طبائعهم (وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) أي بسبب اتهامهم الله بالبخل رغم ما أنعم عليهم سبحانه وتعالى من النعم التي لا تحصى (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) من كثرة الجود والعطاء ولقد أثبت الله في هذه الآية وغيرها أن له يدا فاتخذ بعض الحمقى من ذلك وسيلة إلى نسبة التجسيم إلى الله ونزهه آخرون على أن تكون له سبحانه يد غير أنهم أولوها بالقدرة لينفوا عن ذاته التجسيم ولم يدركوا أنهم بهذا قد عطلوا صفة من صفات الله التي أثبتها لذاته العلية وحملوها على غير محملها وفاتهم أن ما أثبته الله لذاته من اليد والعين والوجه وغيرها من الصفات المتشابهات قد احتفظ لذاته بما يميزها عن صفات الخلق المعروفة بقوله (ليس كمثله شيء) ومعنى هذا أن الله جل وعلا أراد أن يعرفه الناس بأوصافه كما يعرفونه بآثاره فأخبرهم بأنه تعالى كامل الذات عالي الصفات وأن ذاته العلية ليست