إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزوج في صباه غير زوجة واحدة هي السيدة خديجة رضي الله عنها وكانت تكبره وكان مكتفيًا بها وقد أنجب منها البنين والبنات ولكنه بعد الرسالة أمر بالتعدد في هذه الآية ليشرع للبشر أجمعين ما فيه الصالح العام فبدأ بنفسه في تطبيق هذا الواجب الاجتماعي فتزوج بمن تزوج فلم يفهم الناس هذه الحقيقة. واتخذ منها عباد الملذات سبيلًا للطعن في الإسلام وفي شخص الرسول عليه الصلاة والسلام، فقالوا عنه أنه كان شهوانيًا وما ذلك إلا لأن القائلين بهذا لم يشعروا في أنفسهم بالحاجة إلى الزواج إلا لمجرد الشهوة البهيمية. فنظروا إلى الموضوع بمنظارهم وقاسوا الرسول صلى الله عليه وسلم في شعوره بأنفسهم فحكموا عليه بما حكموا وهو قياس فاسد وهم فيه مغرضون وأين هم من مقام الرسول؟ وأنّى لهم أن يصلوا إلى درجة تجعلهم يفهمون من أنفسهم حقيقته عليه الصلاة والسلام، ويدركون مدى ما كان يقاسيه عليه الصلاة والسلام من آلام نفسية تحملها بكل ارتياح في سبيل امتثاله أمر ربه بتعدد الزوجات، وأن ذلك كان لحكم بالغة لا يدركها إلا الباحثون المنصفون وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان آية من آيات الله في مغالبة الشهوة وضبط العاطفة وأن ذلك له معجزة من المعجزات التي خص الله بها نبيه عليه الصلاة والسلام.
حقًا إن الرجال قد فطروا على حب المرأة لقضاء الشهوة الجنسية، شأنهم في هذا كشأن سائر الحيوان: ولذلك نظروا إليها كأنها لم تخلق إلا لتكون متعة للرجل، ومن أجل هذا حبب إليهم الزنا، وراموا التحرر من قيود الزواج وتكاليفه، وجاء الإسلام بما هو أسمى من ذلك، إذ جعل المرأة جزءًا متممًا للرجل، وعدد فضائلها عليه بحملها إياه في بطنها وتكوينه في أحشائها وإخراجه من بطنها إلى هذا الوجود، ثم بتعهدها له بكل ما هو في حاجة إليه من رضاعة وحضانة وتعليم وثقافة، وقدر الرسول صلى الله عليه وسلم للمرأة هذا الفضل، فقد روى معاوية بن جاهمة أن جاهمة «قال يا رسول الله أردت أن غزو وقد جئت أستشيرك فقال هل لك أم قال نعم قال الزمها فإن الجنة عند رجليها» وأشار إلى الغاية التي يجب أن تلاحظ في اختيار المرأة عند إرادة الزواج. وهي أن تسمو عن الشهوة أو المادة وتتجه دائمًا إلى الكمال الخلقي وما يوصل إليه من دين. حيث قال صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» وقال أيضًا: «لا تتزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تتزوجوهن