الصفحة 252 من 1760

تبدأ الحياة الأخرى، وفصلوا الأمر بقولهم: إن الله قد جعل الدور ثلاثًا، دار الدنيا ودار البرزخ، ودار القرار، ووضع لكل دار أحكامًا تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأنفس تبع لها ولذلك جعل أحكام الشريعة مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافها، وجعل أحكام البرزخ على الأنفس والأبدان تبع لها، فكما تبعت النفوس الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت لألمها والتذت وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان النفوس في البرزخ في نعيمها وعذابها، وكما كانت النفوس هنا خفية والأبدان ظاهرة فستكون النفوس هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها، وتجري أحكام البرزخ على النفوس التي تباشر أسباب النعيم والعذاب فتسري منها إلى الأبدان، وضربوا لذلك مثلًا بحال النائم فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على نفسه أصلًا والبدن تبعًا لها، وقد يقوى حتى يؤثر على البدن تأثيرًا مشاهدًا فتراه يقوم من نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، والسر في هذا أن الحكم لما جرى على النفس استعانت بالبدن من خارجه ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس فإذا كانت النفس تتألم وتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم فإن تجرد النفس هناك أكمل وأقوى وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع فإذا كان يوم الحشر في دار القرار تتحد النفوس مع أبدانها ويشتركان في الشعور بالنعيم والعذاب ويصير الحكم عليهما معًا مباشرة ظاهرًا باديًا.

ومما يستدل به على التمييز بين النفس والروح قوله تعالى «وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار» وقوله تعالى «الله يتوفى الأنفس» أي بفقد حاستها وعاقليتها «حين موتها» أي ينتزع النفوس من أبدانها التي فقدت الحياة «والتي لم تمت في منامها» أي وفي حالة النوم أيضًا «ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى» أي ويعيد نفس النائم إلى بدنه الحي لتتبوأ مركزها فيه إلى موعد معين، وإمساكه سبحانه وتعالى للنفس التي قضي عليها الموت لا يمنع ردها إلى جسدها الميت في وقت ما ردًا عارضًا لا يوجب له الحياة المعهودة في الدنيا، وكما أن النائم روحه في جسده وهو حي وحياته غير حياة المستيقظ لأنها من غير نفس فلا يحس ولا يشعر مع أنه يتحرك وقد يمشي ويتكلم، كذلك الميت إذا أعيدت نفسه إلى جسده كانت له حياة أخرى عكس حياة النائم فإنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت