الفوضى واختلال الأمن والعبث بنظم الله الاجتماعية، ولهذا أثبت الله لذاته العلية القدرة على البعث في السورة السابقة بما عدده من عجائب مخلوقاته. كتمهيد الأرض واتخاذ الجبال أوتادًا فيها وفصَّل ما ينتهي إليه أمرها يوم القيامة وما يكون بعده من عذاب للطاغين وحسن جزاء للمتقين ثم أخذ يقسم جلَّ وعلا في هذه السورة على صحة البعث بما يحبر الألباب من عظيم قوته تعالى الكامنة وراء الأسباب المادية من قوى غير منظورة لا تستطيع العقول النيرة أن تتجاهل تأثيرها فيما هو بين سمعها وبصرها فذكر خمس كلمات أقسم الله بها جل جلاله ولم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص صريح عن المعنى المراد منها فأخذ المفسرون يؤولونها ويحملونها على معان قد تكون صحيحة وقد تكون غير صحيحة وما هي في الواقع سوى مجرد احتمالات تناقلوها عن بعضهم وجرى أكثرهم عن أن المراد منها الكواكب والنجوم وليست هي بمعان أساسية لتلك الكلمات وقد هداني الله إلى معنى أرجو أن يكون أقرب إلى الحقيقة فأقول: من الأمور الثابتة عند الناس أن الغرق موجب لانتزاع روح الإنسان من جسده مع أن كثيرًا من الحيوانات وخصوصًا منها السمك لا يموت بالغرق بل إن من الإنسان من يُلْقى في الماء وينجو بعد الموت لتمرنه على السباحة أو لسبب آخر يكون سببًا في نجاته بل إن بعض السباحين قد يموت بالغرق رغم إتقانه فن السباحة الأمر الذي يدل على أن هناك قوة خفية تسيطر على الحياة والموت هي قوة الله.
لذا قال تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ} : أي والقوى التي جعلت الأرواح تنزع من أجسادها.
{غَرْقًا} أي في حالة الغرق وهي قوة الله، كذلك من الناس من يرى في نفسه نشاطًا وتهيُّؤًا للعمل مرة وأخرى يحس في نفسه بفتور وكسل ولا يعرف لذلك من سبب فأراد الله أن يشعره بأن ذلك بقوة الله فأقسم بها حيث قال: {وَالنَّاشِطَاتِ} أي القوى التي تبث في جسم الإنسان النشاط: {نَشْطًا} : أي في سرعة زائدة، كذلك الطيور التي تسبح في الفضاء والسفن التي تجري على الماء تدل على أن هناك قوة تحول دونها ودون السقوط هي قوة الله ولذا أقسم بها تعالى حيث قال: {وَالسَّابِحَاتِ} أي والقوى التي جعلت الطيور والطائرات تسبح في الفضاء والسفن تسبح في وسط المياه: {سَبْحًا} : أي جريًا حسب سنن الكائنات.
{فَالسَّابِقَاتِ} : أي فالقوى التي جعلت الخيل تسبق في بعض الأحيان ولا تسبق في أخرى: {سَبْقًا} : أي في حالة السبق وهي لا شك قوة الله.