الخرطوم وهو الأنف ويستعمل خصيصًا للفيل أي أن هذا الذي بلغت به الجرأة حد الطعن في دين الله الحق وتكذيب آياته بسبب أنفته فلا بد أن يسمه الله على أنفه بأن يلحق به شيئًا يبين به أمره بيانًا واضحًا لا يخفى كما لا تخفى السمة على الخراطيم أو يلصق به عارًا لا يفارقه أبدًا كالسمة التي لا تمحى ولا تزول إما في الدنيا أو الآخرة والله أعلم.
وبعد أن أمر الله رسوله بعدم الأخذ برأي من اتصف بما سبق من النقائص حتى ولو كان ممن يعتز بقوة ماله وأبنائه أخذ يبين له السر في هذا وهو أنهم جماعة أنعم الله عليهم بمختلف النعم من حياة وسمع وبصر فصرفوا كل هذه المواهب فيما لا يرضى الله حتى اتصفوا بتلك الصفات فكانوا بمنزلة من اجتازوا دور الاختبار وسقطوا فيه فلا خير يرجى منهم حيث قال: {إنا بلوناهم} أي امتحناهم واختبرنا مبلغ شكرهم للنعم والمراد منهم للطوائف التسع السابقون: {كما بلونا} من قبل: {أصحاب الجنة} وليس المراد بالجنة الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين في الآخرة بل المراد حقيقتها اللغوية وهي الحديقة ذات الشجر والنبات وأصحابها جماعة من أهل اليمن من قرية يقال لها طروان على بعد ستة أميال من صنعاء مات والدهم وخلف لهم هذه الجنة.
وقد كان في حياته يترك للمساكين ما أخطأ المنجل وما في أسفل الأكداس وما نسيه القطاف من العنب وما بقي على البساط تحت النخلة إذا صرمت فيجتمع عليه المساكين ويأخذونه فلما مات الرجل قال أبناؤه لقد كان أبونًا رجلًا أحمق ونحن أولى بكل ذلك فحلفوا ليصرمن ما في الجنة خفية في الصباح الباكر ولا يتركون للمساكين شيئًا بالمرة فجزاهم الله على هذا بإحراق جنتهم كلية وضرب بهم هذا المثل وفصل هذه الحادثة لتكون عبرة ونذيرًا لأولئك القوم وكل من يحاول أن يستأثر بنعمة الله ويمنع حق الله فيها حيث قال: {إذ أقسموا} بعد موت والدهم: {ليصرمنها} أي ليقطعن ثمر نخيلهم ويقطفون عنبهم: {مصبحين} مبكرين حتى لا يعلم بهم أحد من الفقراء: {ولا يستثنون} أي لا يتركون للمساكين شيئًا مما كان يتركه لهم أبوهم: {فطاف عليها طائف من ربك} أي لا يتركون للمساكين شيئًا مما كان يتركه لهم أبوهم: {فطاف عليها طائف من ربك} أي أصابتها آفة سماوية: {وهم نائمون} لا يعلمون ما حاق بها: {فأصبحت} الجنة: {كالصريم} أي كالأرض الصروم زرعها بمعنى أنها أصبحت قاحلة لا نبت فيها بالمرة: {فتنادوا مصبحين} أي أنهم لما أفاقوا من نومهم أرادوا أن ينفذوا خطتهم فنادى بعضهم بعضًا قائلًا: أن اغدوا على