بعد أن دلل الله في السورة السابقة على عظيم قدرته التي اقتضت أن تكون الحياة الدنيا دار اختبار وأمر رسوله بدعوة الناس إلى الإيمان بالله واليوم الآخر وإنذار الكافرين بعذاب أليم وختم السورة بقوله -: {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين} - أخذ يرد على ما كان يقوله بعض الكافرين في سرهم من أنا سننظر ربما كان هو الضال من دوننا فنفى سبحانه هذا الوهم بما يشعر بأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن على شيء من الضلال بل إنه متصف بجميع صفات الكمال وما الضالون غير أولئك الذين كفروا به وكذبوه ونسبوا إليه السحر والجنون وأقسم سبحانه على هذا بما هو مسجل في علمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه عن مصير العباد أجمعين وعبر عن ذلك بوسائل التسجيل حيث قال: {نون والقلم} رُوِيَ عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة ثم قال له اكتب قال وما أكتب؟ قال اكتب ما كان وما يكون أو ما هو كائن من عمل أو رزق أو أجل فكتب ذلك إلى يوم القيامة» فالمراد بالقلم هو ما أجراه الله في علمه من أحكامه القضائية النافذة والقدرية المعلقة بأعمال العباد من قبل خلق السماوات والأرض: {وما يسطرون} أي وما يسطره الملائكة الذين وكل الله إليهم استنساخ أعمال العباد الصادرة عن كامل الخيار حيال أحكامه القدرية وسننه الاجتماعية في هذه الحياة: {ما أنت بنعمة ربك} التي أنعم بها عليك من هذا القرآن الذي تتلوه: {بمجنون} تهذي وتتكلم بما تتخيله من غير وعي كما يرميك به خصومك الذين قالوا -: {يا أيها الذي أنزل عليه الذكر إنك لمجنون} .
{وإن لك لأجرًا} على أداء الرسالة وتحمل أذى قومك: {غير ممنون} أي غير مقطوع بمعنى متصل دائم تستحقه على عملك وفق قدر الله الذي منح الثواب فضلًا منه للعاملين شأنك في هذا شأن كل من سن سنة حسنة أن يكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة: {وإنك لعلى خلق عظيم} الخلق ملكة نفسية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة وهي إما أن تكون منحة من الله بأساس الفطرة والطبع أو عن طريق التربية والتعليم وقد منّ الله على نبينا صلى الله عليه وسلم بالخلق الكريم من حداثة سنه وأهّله لأن يكون مثلًا عاليًا لمكارم الأخلاق حيث أنزل عليه القرآن كتابًا داعيًا إلى حسن الخلق بمختلف الوسائل والتعابير التي صدرت منه صلى الله عليه وسلم ولهذا لما سئلت السيدة عائشة عن خلقه قالت كان خلقه القرآن وقال عن نفسه صلى